أوراق سياسية

تركيا بين حماية القضية الفلسطينية والاندماج الإقليمي

الملخص التنفيذي

تبحث هذه الورقة في تطوّر مقاربة تركيا تجاه القضية الفلسطينية كما تبلورت خلال حرب غزة، وتُحلّل كيف استندت أنقرة إلى ميراثٍ تاريخي ورمزي في فلسطين لتأطير موقفها السياسي، وكيف ترجمت ذلك إلى أدوات عملية تراوحت بين الوساطة السياسية، وتوسيع الفعل الإنساني، والانخراط في ترتيبات ما بعد الحرب. كما تتناول الورقة تموضع تركيا داخل معادلات الأمن الإقليمي، وقراءتها لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية، ورفضها لسيناريوهات التهجير وتفكيك البنية السياسية الفلسطينية، بما في ذلك حماية الكيانية الوطنية الممثلة بالسلطة الفلسطينية بوصفها نواة الدولة.

وتجادل الورقة بأن التحرك التركي لم يكن استجابة ظرفية للحرب، بل جزءًا من مقاربة استراتيجية أوسع، سعت إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى المشاركة في هندسة اليوم التالي للحرب، بما يعزز حضور أنقرة كفاعل إقليمي مؤثر في المعادلات الإقليمية الجديدة المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

أولًا: السياق السياسي وتحول المقاربة التركية

أثارت النقاشات التي رافقت الحرب على غزة، ولا سيما تلك المرتبطة بعلاقات تركيا بإسرائيل، حالة من الالتباس حول طبيعة الموقف التركي من القضية الفلسطينية. وقد انزلقت بعض هذه النقاشات إلى مقاربات اختزالية ذات طابع دعائي، تعاملت مع السياسة التركية بمنطق الإدانة أو التبرير، دون إدراك لتعقيد البيئة السياسية والقانونية التي تحكم مسارات الفعل في الأراضي الفلسطينية، وحدود القدرة الواقعية على التأثير في سياق دولي شديد التركيب.

في هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تفكيك المقاربة التركية ضمن سياقها الإقليمي الأشمل. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، اتجهت أنقرة إلى سياسة نشطة سعت إلى المزاوجة بين العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف وإدارة المخاطر السياسية المرتبطة بتوازنات الداخل الفلسطيني. وقد ارتكز هذا التوجه على مسارين متوازيين: الانخراط الواسع في جهود الوساطة والدفع باتجاه وقف إطلاق النار، والعمل في الوقت ذاته على منع انهيار الكيانية الفلسطينية المتمثلة بالسلطة الوطنية، التي تُعد – رغم هشاشتها – الإطار السياسي الجامع ونواة أي مسار دولة فلسطينية محتمل.

ويمكن فهم هذا التوجه في سياق خطاب سياسي تركي سعى، منذ عام 2023، إلى إعادة وصل الحاضر بسردية تاريخية أوسع عن المنطقة وصراعاتها مع الغرب، من خلال استدعاء الذاكرة التاريخية للعلاقات بين شعوب الإقليم منذ السلاجقة والدولة العثمانية وصولًا إلى الجمهورية التركية. وقد أدّت هذه المرجعية وظيفة مزدوجة: تثبيت شرعية الموقف التركي في المجال العام الداخلي، وتعزيز قدرة السياسة الخارجية على مخاطبة جمهور إقليمي يرى في فلسطين امتدادًا لقضايا السيادة والكرامة والأمن الجماعي.

وبناءً على ذلك، تدرّجت السياسة التركية بين مستوى رمزي–خطابي أعاد توصيف الحرب على غزة ضمن سياق استعماري سياسي وديني، ومستوى عملي ركّز على الأدوات الإنسانية والتواصل المجتمعي بوصفها جزءًا من اقتصاد سياسي للصمود، لا مجرد فعل إغاثي معزول. في هذا السياق، لم تُقرأ الإغاثة باعتبارها عملًا خيريًا محضًا، بل كأداة تهدف إلى منع الانهيار الاجتماعي وإدامة القدرة الفلسطينية على البقاء في مواجهة سياسات التفكيك.

ثانيًا: تركيا بين الحرب والهدنة – الوساطة وحدود الفعل

منذ الأسابيع الأولى للحرب، تبنّت تركيا موقفًا سياسيًا واضحًا يرفض العدوان على غزة ويدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، مع التأكيد على أولوية المسار السياسي والدبلوماسي لتجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد. وقد انعكس هذا الموقف في دعم أنقرة العلني لجهود الوساطة التي قادتها كل من قطر ومصر، إلى جانب انخراط تركي نشط في الاتصالات السياسية متعددة الأطراف، لا سيما مع الولايات المتحدة.

ومع تطور مسار التهدئة، انتقلت السياسة التركية من موقع الدعم السياسي إلى عرض شراكة عملية في إدارة الهدنة، وهو ما تجلّى في التصريحات الرسمية التي أكدت استعداد أنقرة للمساهمة في مراحل تنفيذ أي اتفاق لوقف إطلاق النار، بما يشمل الجوانب الإنسانية والرقابية. وقد مثّل هذا التحول إدراكًا تركيًا مبكرًا بأن الهدنة، ما لم تُرفق بآليات ضمان وتنفيذ، ستظل عرضة للانهيار، وأن الفراغ السياسي الناتج عنها قد يُستثمر لإعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر عنفًا.

وتوّج هذا المسار بتوقيع مصر وقطر وتركيا وثيقة مرتبطة بصفقة وقف إطلاق النار خلال القمة التي انعقدت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بحضور الرئيس الأمريكي، وهو توقيع حمل دلالة سياسية واضحة على الاعتراف بدور تركيا كطرف إقليمي معني بآليات الضمان والتنفيذ، لا مجرد داعم سياسي من خارج غرفة القرار.

ثالثًا: من وقف إطلاق النار إلى اليوم التالي – ترتيبات ما بعد الحرب

مع تثبيت وقف إطلاق النار، انتقل التركيز الدولي إلى سؤال “اليوم التالي”، أي كيفية إدارة قطاع غزة بعد الحرب، وضمان الاستقرار، ومنع عودة القتال، وفتح مسار إعادة الإعمار. وفي هذا السياق، أعادت الإدارة الأمريكية طرح إطار سياسي–تنفيذي عُرف إعلاميًا بـ“خطة ترامب”، يقوم على إنشاء بنية مؤسسية متعددة المستويات لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع.

تتكوّن هذه البنية من مجلس أو هيئة سلام تضم أطرافًا دولية وإقليمية، يتفرع عنها مجلس تنفيذي يتولى الإشراف على التمويل وإعادة الإعمار والتنسيق الأمني–المدني، إلى جانب لجنة فلسطينية ذات طابع تكنوقراطي تُكلّف بإدارة الشؤون اليومية في غزة، دون أن تمثل كيانًا سياديًا أو بديلًا عن التمثيل السياسي الفلسطيني.

في هذا السياق، اكتسبت المشاركة التركية أهمية خاصة، لا سيما مع مشاركة وزير الخارجية هاكان فيدان في الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن ممثلًا عن الرئيس رجب طيب أردوغان. وقد عكست هذه المشاركة انتقال تركيا إلى موقع الشريك في ترتيبات ما بعد الحرب، مع تأكيدها على مجموعة من الثوابت السياسية، في مقدمتها تسهيل دخول المساعدات دون عوائق، وربط إعادة الإعمار بالمسار الحلّ السياسي، ورفض أي حلول تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تُكرّس الفصل بين غزة والضفة الغربية.

رابعًا: الدلالات الاستراتيجية وخلاصات السياسة والأمن

تحمل المشاركة التركية في مسار ما بعد الحرب دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الإجرائي. أولها، أن أنقرة تسعى إلى منع تفريغ وقف إطلاق النار من مضمونه السياسي وتحويله إلى هدنة أمنية مؤقتة تُدار بمنطق الاحتواء لا الحل. وثانيها، أن تركيا ترى في بقاء الإطار السياسي الفلسطيني الموحد شرطًا ضروريًا للاستقرار، وترفض أي ترتيبات تُفضي إلى إدارة غزة بمعزل عن الضفة الغربية أو خارج المرجعية الوطنية الفلسطينية.

كما تعكس هذه المقاربة وعيًا تركيًا بأن مرحلة ما بعد الحرب ستشكّل ساحة صراع جديدة على النفوذ وعلى تعريف “الحل المقبول”، وأن الغياب عن هذه الساحة سيترك المجال مفتوحًا أمام تصورات أحادية قد تُفرض على الفلسطينيين تحت ضغط الحاجة الإنسانية وإعادة الإعمار. ومن هنا، فإن الحضور التركي لا ينفصل عن رؤية أوسع للأمن الإقليمي، تقوم على منع انفجار بؤر عدم الاستقرار، والحيلولة دون إعادة إنتاج الصراع بصيغ أكثر عنفًا.

في المحصلة، تُظهر التجربة الأخيرة أن السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية انتقلت من الاكتفاء بالتعبير السياسي والدعم الإنساني إلى الانخراط المباشر في هندسة الترتيبات الإقليمية والدولية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب، ضمن مقاربة واعية تسعى إلى حماية الحركة الوطنية الفلسطينية ومنع تفكيك الإطار السياسي الجامع. وقد حافظت أنقرة، خلال هذا التحول، على خطوط حمراء واضحة، أبرزها رفض تصفية القضية الفلسطينية أو دفع المشهد نحو فراغ سياسي يعيد إنتاج الانقسام ويخدم أهداف الاحتلال، إلى جانب التأكيد المستمر على مركزية الحل السياسي القائم على الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وعليه، فإن الدور التركي في مرحلة ما بعد حرب غزة لا يمكن فصله عن معادلات الأمن الإقليمي، ولا عن سعي أنقرة لإعادة بناء شبكة علاقاتها في العالمين العربي والإسلامي على قاعدة الواقعية السياسية وحسابات الاستدامة، بما يعزز قدرتها على المناورة والتأثير في مسارات الصراع، ويحدّ من هيمنة المقاربات الغربية الأحادية على مستقبل القضية الفلسطينية.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق