
مقاربات الأطراف الفلسطينية من مخطط نزع سلاح المقاومة في غزة
يتصدر ملف نزع سلاح المقاومة واجهة النقاش السياسي المرتبط بخطة ترامب ومسار وقف إطلاق النار، كشرطٍ أساسي لاستكمال ترتيبات اليوم التالي للحرب في قطاع غزة. ويأتي ذلك إثر انعقاد الاجتماع الأول الافتتاحي لمجلس السلام الخاص بغزة، وما رافقه من تداولٍ واسعٍ لمخططٍ أمريكي واسرائيلي يفرض على حركة حماس مهلة صارمة، لا تتجاوز الستين يوماً، للتفاعل الإيجابي مع مخطط نزع سلاحها، سواء بالكامل أو بمسارٍ تدريجي يبدأ بالأسلحة الخفيفة، تحت وطأة التهديد باستئناف الحرب مجدداً في حال عدم الامتثال.
ويشهد هذا الملف تحولاً عميقاً من بندٍ جدلي أو مقترحٍ نظري للضغط السياسي في سياق التفاوض إلى كونه عقدة تشغيلية تأتي على رأس التنازلات المتبقية والمشروطة لفتح مسار إعادة الإعمار وترتيبات المشهد الإداري والأمني والسياسي الفلسطيني في قطاع غزة، ولا سيّما عبر تمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية (التكنوقراط) لمهامها في غزة، ما يزيد من حالة الضغطِ المركّب على مختلف الأطراف الفلسطينية في ظل تزايد تعقيد المشهد الراهن والتشابك الحاد بين الاستحقاقات الداخلية والإملاءات الخارجية بشأن ملفاتٍ حسّاسة.
وفي هذا السياق، يرصد التقرير مقاربات الفاعلين الفلسطينيين، لا سيّما حركة حماس واللجنة الفلسطينية الوطنية (التكنوقراط) والسلطة الفلسطينية، من حيث سرديات التعامل مع ملف السلاح وحدود مقاربته، وما يُطرح من رؤى بديلة ضمن الإطار الفلسطيني، مع تحليل كيفية تفاعلها مع الضغوط المتولّدة في إطار مجلس السلام، والتي من شأنها إعادة صياغة شروط المرحلة المقبلة، بحيث تضع الأطراف الفلسطينية أما اختبار بالغ الحساسية يتصل بمآلات السلاح وتداعياته على مستقبل القضية الفلسطينية برمتّها.
مقاربة حماس: الربط بين السلاح والانسحاب
تتعامل حركة حماس مع طرح نزع سلاح المقاومة باعتباره أداة ضغط سياسي لا بنداً تفاوضياً مستقلاً؛ فيُلاحظ في تصريحاتها خلال الفترة الأخيرة، حرصاً متنامياً على إعادة إدراج مسألة السلاح ضمن سياقه البنيوي المرتبط باستمرار الاحتلال، بعيداً عن اعتباره سبب الأزمة كما يروّج له، مستندةً في ذلك على القوانين الدولية. ومع ذلك، تحرص في خطابها على تضمين إشاراتٍ تعكس استعدادها التام للانخراط الإيجابي والفوري مع أي مسارٍ تفاوضي بشأن خيارات نزع سلاحها مقابل جملة من التنازلات والشروط السياسية، على رأسها الانسحاب الكامل من قطاع غزة والحصول على ضمانات حاسمة بشأن إتمام الاتفاقات الموقعة في المرحلة الانتقالية والمقبلة.
وبالتوازي، تتجنب حركة حماس الدخول في سجالٍ متبادل بشأن أي نقاشٍ تقني أو زمني حول آليات نزع سلاح المقاومة ومراحله، في مسعى واضح لعدم الانجرار إلى تصعيدٍ خطابي أو ميداني يمنح الاحتلال ذرائع عملياتية تُعيد إنتاج أهداف الحرب قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، وهو ما تحاول حكومة اليمين المتطرف تعزيزه عبر التلويح بمهلٍ زمنية أو اشتراطات أمنية تنفرد في تحديدها وصياغتها دون أي مسارٍ تفاوضي رغبةً في استئناف الحرب مرةً أخرى.
وفي هذا السياق، سارعت الحركة إلى نفي ما تناقلته تقارير إعلامية حول خطة كوشنر وويتكوف للنزع التدريجي للسلاح، خاصة أنها لم تتلقَ أي مقترحاتٍ من الوسطاء، وما زال ملف سلاح المقاومة قيد النقاش مع الفصائل والوسطاء. وبهذا المعنى، لا تُغلق الحركة إمكانية الحوار نظرياً حول هذا الملف، لكنّها تحاول إعادة تعريفه في سياقِ مسارٍ سياسيٍ شامل يُناقش في إطارٍ وطني فلسطيني، بعيداً عن أن يكون مدخلاً أو شرطاً مسبقاً لإعادة الإعمار أو ملفات إدارة قطاع غزة.
وباستقراء الخطاب السياسي لحركة حماس وتتبع مسار تصريحاتها الرسمية في الآونة الأخيرة؛ يُلاحظ وجود ميل تدريجي للتخلي عن سردية اعتبار السلاح ملفاً لا يمكن المساس به، نحو اعتباره أداة وظيفية ومرحلية، مرهوناً تحديد طبيعتها بوجود مسار جاد لإنهاء الاحتلال. ويعكس ذلك تنامي إدراك الحركة لخطورة غياب التأطير السياسي لأدواتها طيلة الفترة الماضية، بحيث باتت تسعى إلى تثبيت مسارٍ سياسي في إطار خطة ترامب، بما يقطع الطريق أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتصاعدة مؤخراً.
السلطة الفلسطينية: مبدأ سلطة واحدة وسلاح واحد
تستند مقاربة السلطة الفلسطينية لملف سلاح المقاومة على مساعيها الحثيثة للعودة إلى إدارة قطاع غزة، باعتبارها الكيان السياسي المُعترف به دولياً؛ فهي لم تبدِ في خطابها أي تبني لمسار نزع سلاح المقاومة، وإنما استبدلت ذلك بمقترح تسلمها السلاح ضمن هيكلها المؤسسي، وفق مبدأ “سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد”، وهو ما يدعم إعادة تموضعها ويعُزّز عودة مؤسساتها إلى إدارة قطاع غزة.
ورُغم غياب التصريح المباشر بنزع السلاح، لا تقف السلطة على الحياد تجاه المسار الأمريكي المتصاعد بشأن مخطط نزع سلاح المقاومة؛ بل تتقاطع مقاربتها ضمنياً مع هذا التصور باعتباره ركيزة أساسية لأي ترتيبات أمنية جديدة في القطاع، من خلال التوافق مع بنود خطة ترامب، بما فيها نزع السلاح، إلا أنها في المقابل تحرص السلطة على حجز مكان لها في المشهد، بما يُمكّنها من العودة إلى إدارة القطاع. ولذلك تتعامل مع ملف السلاح من خلال تفويض غير مباشر، تترك فيه صياغة شرط النزع للطرف الأمريكي، بينما تركز هي في مساعيها على تثبيت موقعها كبديل سياسي وإداري جاهز لتولي مسؤولية الإدارة، حتى وإن تأجل ذلك لما بعد المرحلة الانتقالية الراهنة.
مكتبُ ارتباطٍ جديد .. طريق عودة السلطة لـ غزة
في تطورٍ لافتٍ طال انتظاره من قبل قيادة السلطة طيلة العامين الماضيين؛ عقب رفض السلطة في أواخر يناير 2026 عرضاً أمريكياً غير رسمي – وُصف بالمُهين – لأنه يمنحها صفة “مراقب” في مجلس السلام خلال منتدى دافوس الاقتصادي، أثمر حوار دبلوماسي مكثّف عن التوصل إلى صيغة توافقية مع نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام والمسؤول عن ملف غزة، حول تأسيس وتفعيل ما عُرف بمكتب ارتباط رسمي ومركزي برئاسة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى.
وبالتالي، تسعى السلطة إلى توظيف هذا الاختراق لتعزيز انخراطها أكثر في المشهد، عبر آليات التنسيق التي سيوفرها مكتب الارتباط الجديد، بما يمكنها من القدرة على مراقبة عملية إعادة هيكلة قوى الأمن الداخلي في غزة، مستفيدةً من الضغط الإقليمي والأمريكي على حركة حماس لتقديم تنازلات هيكلية وأمنية، ما يمنح السلطة موطئ قدم في مسار التنفيذ. وعليه، يُقرأ المكتب الجديد كأداة إدماجٍ مؤسسي تضمن حضوراً جزئياً للسلطة على المستويين الأمني والإداري، عبر فتح قناة تنسيق مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة غي الفترة الانتقالية. لكن يبقى سقف هذا المسار رهيناً بالموقف الإسرائيلي المتشدّد تجاه أي وجودٍ فلسطيني سياسي فصائلي أو رسمي، ما يزيد من تعقيد مسار عودة السلطة إلى إدارة القطاع.
لجنة التكنوقراط: مقاربةٌ وظيفية
أما اللجنة الفلسطينية الوطنية لإدارة قطاع غزة، فتبدو مقاربتها تجاه ملف سلاح المقاومة منسجمة مع طبيعتها الوظيفية؛ إذ لا تبدي تفاعلاً مع مقترحات نزع السلاح المطروحة، معتبرةً إياها خارج نطاق اختصاصاتها، وتتعامل معه كمُعطى خارجي يتوقف على المسار التفاوضي الجاري مع حركة حماس، في سياق نقاشات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما بدا جليّاً في خطاب قيادتها في الآونة الأخيرة، الذي ركّز على إدارة الواقع السيادي والإنساني، وما يرتبط بهما من ملفات رئيسية، مثل تشغيل معبر رفح، وتيسير آليات عمل اللجنة في المرافق الحيوية والخدمية، واستعادة الحد الأدنى من النظام العام عبر جهاز شرطة مدنية يُعاد تشكيله بإشرافٍ مصري.
ورغم طرح مخطط تأهيل كادرٍ شرطي مدني يتبع اللجنة الجديدة، جاء خطابها حريصًا على تجنّب استعداء أي من الهياكل الأمنية التابعة لحكومة حماس، التي أبدت أيضاً استعدادها لتسهيل عمل اللجنة على مختلف المستويات، تفاديًا لأي احتكاك قد يعرقل أداء مهامها. وفي هذا السياق، حرصت اللجنة في بياناتها الرسمية على توجيه رسائل تطمين ذات طابع سياسي، مؤكدة احترامها العميق لتفاني أفراد الشرطة الحاليين طيلة فترة الحرب. علاوةً على أن اللجنة تُجنّبت الخوض في تفاصيل مصير أفراد الشرطة القائمين، في توجهٍ تكتيكي يُركّز على جهود إدارة المشهد وتداعيات الحرب بعيداً عن أي ملفاتٍ صدامية، تضعها في مواجهة شرائح شعبية وفصائلية، بما يُعيق مباشرة عملها الذي لم يبدأ بعد بسبب الرفض الإسرائيلي الممنهج.
وضمن هذا الإطار، يظهر البعد الأمني في خطاب اللجنة بوصفه ضبطاً مدنياً لا تفكيكاً لبنية المقاومة أو سلاحها؛ فهي تربط بين ضبط الأمن وتدفق المساعدات، وحماية المنشآت، وضمان حرية الحركة داخل القطاع، دون الخوض في مسألة السلاح من حيث مشروعيته أو مستقبله. وعليه، تبدو لجنة التكنوقراط أقرب إلى موقع إدارة آثار الملف لا إلى صناعته؛ فهي تتحرك داخل هوامش يحددها أطراف مجلس السلام الخاص بغزة، وعلى رأسهم الطرف الأمريكي، بحيث تبقى بعيدة عن اتخاذ موقف صريح من مخطط نزع السلاح، سواء بالقبول أو الرفض، مكتفية بتأكيد حاجتها إلى بيئة أمنية مستقرة لممارسة مهامها، وهو ما يتوقف فعلياً على المسار التفاوضي وفق خطة ترامب وعلى قدرة الأطراف على إلزام حكومة الاحتلال على الإيفاء بتفاهمات الاتفاق.
وعلى أي حال، يكشف المشهد الفلسطيني وتطوراته خلال الأسبوعين الأخيرين حالة تباين وظيفي وخطابي في مقاربة ملف نزع سلاح المقاومة بين الأطراف الفاعلة؛ فحماس تُعيد تعريف ملف السلاح كقضية سيادية مشروطة بإنهاء الاحتلال، فيما تُدرجه السلطة ضمنياً في سياق استعادة الشرعية وفق مقاربة سلطة واحدة وسلاح واحد. غير أن هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف المواقف، بل يعكس أيضاً اختلاف الأدوار والمواقع داخل معادلة سياسية لا تزال قيد التشكل، وتُدار إلى حد كبير من خارج الإطار الفلسطيني المباشر.
ورُغم التقدم المُتسارع في مسار خطة ترامب بدءاُ من تشكيل لجنة التكنوقراط، إلى البدء الفعلي بتشكيل قوة شرطية جديدة، وصولاً إلى انعقاد الاجتماع الأول لمجلس السلام بشأن غزة، إلا أن المشهد الحالي لا يتجه نحو الانفراج، بل يزداد تعقيداً، في ظل مسار ضغطٍ متصاعد مقرون باشتراطات أحادية مؤطّرة بتهديدات استئناف الحرب، ما يضع الأطراف الفلسطينية أمام خيارين؛ تنازلات متسرّعة دون مقابلٍ بنيوي يضمن إنهاء الاحتلال أو تثبيت مكاسب سياسية مُستدامة، وإما انسداد كامل، وهو ما تسعى حكومة الاحتلال إلى تثبيته في ظل رغبتها بعدم تقديم أي تنازلاتٍ من شأنها تحقيق انفراجة، بما لا يتوافق مع مخططاتها الرامية إلى إبقاء الوجود العسكري والتحكم بالواقع السيادي في قطاع غزة. ومن هنا، تبرز الحاجة الوطنية المُلحّة لإنتاج صيغة وطنية موحّدة تُعيد تعريف سلاح المقاومة وحدوده ومرجعيته كأساسٍ تفاوضي، يربط أي ترتيبات أمنية بمكاسب سياسية ملموسة في سياق تثبيت واقع مستقل عن الاحتلال، وبما يمنع تحويل السلاح إلى أداة ابتزاز لإعادة الإعمار وإعادة تشكيل البنية الإدارية وفق شروط غير فلسطينية.
