
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والالتزامات الدولية تجاه غزة
مع إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، أخذ الاهتمام بالملف الفلسطيني في التراجع في المناقشات الدولية، حيث طفت قضايا الأمن الإقليمي والقلق من توسع الحرب على سطح الأحداث وأولويات الاهتمام. وهذا ما يثير تساؤلات حول آثار استمرار الحرب على الالتزامات الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة، وعلى مشاريع تأهيل السلطة الفلسطينية لتظل ممثلة للفلسطينيين.
أمريكا والاستنزاف الإقليمي
على مستوى السياسة الأمريكية، أصبح واضحاً أن هناك ترتيباً للأهداف عبّر عنه ترامب، وتمثل في الآتي: وقف البرنامج النووي الإيراني، ومحاسبة النظام الإيراني على قتل آلاف المتظاهرين. وهي أهداف فضفاضة تقود في النهاية إلى الحديث عن إسقاط النظام واستبداله بتركيبة غير دينية. وهذا ما عبّر عنه وزير الدفاع هيغسِث عندما صرّح بأنه لا يمكن ترك المتشددين دينياً يحصلون على السلاح النووي.
وفي ظل هذه التوجهات، بدأ الهجوم المشترك من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، والذي شمل ضربات جوية واسعة على منشآت عسكرية ومدنية، جرى خلالها اغتيال عدد من القادة، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وهكذا تحولت الحرب من ضربة حاسمة إلى حرب استنزاف يُتوقع أن تستغرق وقتاً حتى تحقق هدفها المتمثل في تغيير النظام.
ولم يكن الاستنزاف الشكل الوحيد للعمليات العسكرية؛ فقد بدأت حرب موازية على حزب الله اللبناني، وهو ما يأتي في سياق السعي لقطع النفوذ الإيراني الإقليمي بعد إبعاده عن سوريا، وهي نقطة مشتركة في الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية، التي تسعى من خلالها إلى تطوير عملياتها منذ 8 أكتوبر 2023.
وفي هذه الحرب، تقوم الاستراتيجية الأمريكية على تفكيك أو إضعاف الكتل المعاندة في الشرق الأوسط، مستفيدة من ضعف الثقة الإقليمية بإقامة علاقات مستقرة مع إيران. ولتحقيق هذه الاستراتيجية، حاولت الولايات المتحدة العمل على بديلين: الأول يتمثل في تشكيل تحالف دولي يدعم إعلان الحرب ويضم بعض الدول الغربية. إلا أنها، حتى اللحظة، لا تعوّل كثيراً على هذا الخيار، بل تبدو أكثر اهتماماً بتعطيل مجلس الأمن ومنعه من عقد مناقشات جدية بشأن هجومها على إيران. وفي المقابل، سهلت إدانة الهجمات الإيرانية على الدول العربية في جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 12 مارس الجاري، والتي امتنعت فيها الصين وروسيا عن التصويت، ما أدى إلى وقوع إيران في عزلة عن بعض حلفائها التقليديين.
الموقف الإيراني: توسيع نطاق الحرب
بعد توقف الهجمات الإسرائيلية في يونيو 2025، حاولت إيران تحسين علاقاتها الإقليمية والاستفادة منها في دعم موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة. وخلال تلك الفترة، تحرك وزير الخارجية عباس عراقجي على الساحة الإقليمية، وأجرى مباحثات في مصر وتركيا والسعودية وقطر وغيرها، بهدف دعم موقف بلاده في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتهدئة الخلاف حول الملف النووي وتثبيت وقف إطلاق النار. وكانت الأبواب آنذاك مفتوحة للمضي في تجاوز أزمات الثقة الإقليمية مع إيران.
ومع اندلاع الحرب الحالية، تبنت السياسة الإيرانية موقفاً مختلفاً؛ إذ أعادت تعريف العدوان بحيث لا يقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، بل يشمل المصالح الأمريكية أينما وجدت. وعلى أساس هذا التعريف، وجهت إيران ضربات لمنشآت أمريكية في دول الخليج، وكذلك لمنشآت حكومية لا ترتبط مباشرة بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
وبدت هذه الاستراتيجية مختلفة عما كانت عليه في العام السابق؛ فوفق تصنيفها الجديد للأهداف العسكرية، أصبح الشرق الأوسط بأكمله مجالاً للحرب، إذ لم تعد تقتصر على دول الخليج فحسب، بل تشمل أيضاً باكستان وتركيا باعتبار علاقاتهما الثنائية مع الولايات المتحدة أو عضويتهما في حلف الناتو. وتسهم هذه الصيغة الإيرانية في توسيع نطاق الحرب وإحياء العداء الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الميليشيات العراقية واستمرار الهجمات على الدول الخليجية.
المستوى الإقليمي
خلال حرب يونيو 2025، قامت مواقف الدول العربية والإسلامية على ضرورة وقف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار للتفرغ للملف الفلسطيني. وفي تلك الفترة، شهدت الساحة تحركات جماعية من جانب منظمة التعاون الإسلامي لدعم الموقف الإيراني.
ومع اندلاع الهجمات المتبادلة بين أطراف الصراع، أصبحت الأولوية لدى الأطراف الإقليمية هي استئناف التفاوض ومنع اتساع نطاق المواجهة. وقد توافقت هذه الأطراف على إدانة الهجمات على دول الخليج. كما نظرت تركيا ومصر، بشكل مشترك، إلى تلك الهجمات باعتبارها تزيد من تعقيد الموقف العسكري وتمثل اعتداءً على سيادة الدول وجرّها إلى معركة ليست طرفاً فيها.
وبشكل عام، كان موقف الحياد هو الأقرب لسياسة الدولتين، بالإضافة إلى باكستان، مع وجود بعض الاختلافات المحدودة. فبينما أدانت تركيا الهجوم الأمريكي على إيران، ركز الموقف المصري في مجلس الأمن على ضرورة معالجة المشكلة النووية في الشرق الأوسط بشكل شامل. وأشار المندوب المصري إلى أنه لا يمكن التسامح مع وجود قوة نووية إسرائيلية غير معلنة، وأنه ينبغي التعامل مع جميع المخاطر بالمعايير نفسها.
ورغم ذلك، فإن الموقفين التركي والمصري لا يمكن وصفهما بالحياد الكامل، إذ يسعيان إلى وقف العدوان ودعم التفاوض وتعزيز الأمن الإقليمي. ولهذا جاءت الإدانة المشتركة لانتهاك سيادة دول الخليج، إلى جانب توجه الجامعة العربية نحو إعلان موقف جماعي لمساندة هذه الدول في مواجهة الهجمات الإيرانية. كما ظهر تقارب مع باكستان بشأن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية.
ورغم الانشغال الكبير بأحداث الحرب، تحافظ مصر وتركيا على الحد الأدنى من الدعم لوقف إطلاق النار في غزة والحفاظ على الكيانية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، هناك تحرك دبلوماسي تجاه إغلاق إسرائيل للمسجد الأقصى طوال شهر رمضان، إذ تنظر الدول إلى هذه الإجراءات بوصفها انتهاكاً لحقوق الشعب الفلسطيني.
إن الحرب الجارية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة لا تقتصر على مستقبل القضية الفلسطينية، بل تمتد إلى استنزاف قدرات الدول الإسلامية. وفي الواقع، يشكل هذا أحد الأهداف غير المعلنة للاستراتيجية الأمريكية، ويتحقق بسهولة مع توسيع إيران لدائرة خصومها عبر التعامل مع دول الخليج باعتبارها خصوماً مباشرين، وهو ما يمهد لاستمرار الحرب ونقل أعبائها إلى الدول الإقليمية.
ومع مرور الوقت، تتشكل معادلات أمنية وعسكرية مختلفة عما كان عليه الوضع سابقاً. فمن جهة، يعرقل هذا الصراع فرص التفاهم الإقليمي حول التحديات الأمنية بسبب طبيعة الحرب المتشابكة بين الولايات المتحدة وإيران واستهداف دول الخليج، إضافة إلى الأزمات الأخرى القائمة. ومن جهة أخرى، ومع اختلاط أطراف الحرب وطول أمدها، ستضعف الالتزامات الدولية الخاصة بتنفيذ متطلبات المسار الفلسطيني، وخصوصاً ما يتعلق بجدول أعمال “مجلس السلام” ودعم السلطة والكيانات الفلسطينية.
