
بين الاستنزاف الإقليمي وبناء الدولةمعادلة البقاء الفلسطـيني
مع سعي الاحتلال لتقويض السلطة الفلسطينية واندلاع الحرب مع إيران، تقع الكيانية الوطنية تحت ضغوط متعددة تضعها تحت تهديد دائم، وخصوصاً مع تدافع الولايات المتحدة والاحتلال لتوسيع الحرب بما يؤدي إلى انشغال كل الأطراف بالمخاطر الجديدة. من هذه الوجهة، تبدو أهمية التعرف إلى المسارات السياسية الحاضرة في المشهد السياسي والخيارات المفضلة منها.
بالتزامن مع أجواء الحرب، تجري مشاورات إقليمية تهدف إلى تثبيت الوضع الفلسطيني على قاعدة وقف إطلاق النار، بالتوازي مع مراقبة تطورات الحرب وانعكاساتها على الساحة الفلسطينية. وفي إطار التشاور والتنسيق بشأن تطورات القضية الفلسطينية ومستجدات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، استقبل مسؤولون مصريون وأتراك ممثلين عن الفصائل والمؤسسات الفلسطينية.
وفي هذا السياق، شهدت كل من القاهرة وأنقرة لقاءات مع وفود فلسطينية على مستوى وزراء الخارجية؛ إذ جرت أول زيارة خارجية لرئيس اللجنة المؤقتة لإدارة قطاع غزة إلى أنقرة بحضور السفير الفلسطيني في تركيا بتاريخ 15 فبراير، وسبق ذلك استقبال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في 10 فبراير 2026، كلاً من رئيس المجلس الوطني روحي فتوح وأمين سر منظمة التحرير عزام الأحمد. ويأتي هذا الحراك ضمن سياسة تثبيت مكانة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في المسارات السياسية المختلفة، وتعزيز حضورهما في أي ترتيبات إقليمية ذات صلة.
وفي سياق متكامل، تأتي اللقاءات مع “علي شعث”، رئيس اللجنة المؤقتة لإدارة قطاع غزة، جزءاً مكملاً لدعم السلطة الفلسطينية، فهي في حقيقتها ذات تأثير على مستويين؛ دعم وحدة الأراضي، غزة والضفة والقدس الشرقية، ككيان سياسي واحد، ومساندة الجهاز السياسي الفلسطيني الذي يشكل نواة النظام السياسي الوارد في مقترح الدستور المؤقت. وبشكل عام، تعزز هذا الموقف بالبيان المشترك لحوالي عشرين دولة إسلامية وأوروبية، أعلنت فيه رفضها فرض الاحتلال سيادته على الضفة، باعتبارها تهديداً للكيان السياسي الفلسطيني.
لا تبدو هذه اللقاءات روتينية، فهي في حقيقتها تعكس دوام الاعتراف بالمؤسسات الفلسطينية، حيث يمثل تكرار الاجتماع بممثلي المؤسسات الجامعة لأغلب الفصائل والمعترف بها دولياً واحداً من السياسات المستقرة لدى الدول الإسلامية والعديد من الدول الأخرى.
وعلى مستوى مضمون اللقاءات الإقليمية لممثلي السلطة الوطنية، فقد دارت حول محورين رئيسيين؛ كان الأول واضحاً في التأكيد على مرجعية القرارات الدولية في تسوية القضية الفلسطينية، ودعم بقاء حل الدولتين على طاولة المفاوضات وعلى أرض الواقع. أما الثاني، فقد تمثل في عدم تفويت أي فرصة لتثبيت وقف إطلاق النار باعتباره إطاراً لخفض التصعيد وإفساح المجال أمام استعادة التعافي الفلسطيني استعداداً لمرحلة ترميم الخسائر التي حدثت جراء العدوان، وهو ما يتحقق بضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية اليومية إلى القطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، وانتهاءً بمنع حدوث أي انفلات من شأنه الإضرار بالإدارة الانتقالية.
من حيث المبدأ، يُعد مشروع الدستور تطويراً لمسار التحرر الوطني، إذ إن مرجعيته تنطلق من وثيقة منظمة التحرير لإعلان الدولة عام 1988، وهي الأرضية القانونية التي تمثل ترسيخاً للشخصية الدولية الاعتبارية للكيان الفلسطيني، وذلك على أساس الشرعية الدولية.
وبمقارنته بالمبادئ الدستورية، يشير مشروع الدستور إلى الجمع بين الحرية والمسؤولية، لتكون صياغاته واتجاهاته متسقة مع مبادئ الدساتير الحديثة التي تقوم على التوازن في النظام السياسي. وسياسياً، يتقاطع مع الهموم الحالية، وخصوصاً الحفاظ على مقومات الدولة والعاصمة ومنع التهجير، ليكون محتواه انعكاساً واضحاً لتطلعات الشعب الفلسطيني.
كما يتماشى مع الاتجاهات الدستورية الحديثة، حيث يؤسس لوحدة الأرض والشعب والشتات، وتقرير السيادة الشعبية والعاصمة في القدس، وذلك ضمن قناعة تقود الشعب نحو حق تقرير المصير على أساس الهوية العربية والتعددية الحزبية وحرية المجتمع المدني، كمكونات محمية بتوازن السلطات.
حالياً، تسير السياسة الإقليمية على محورين؛ حماية المكتسبات على المستوى الفلسطيني، وتقليل آثار الحرب بين الاحتلال وإيران على الكيانات السياسية الفلسطينية. وتحت هذه التوجهات، تسعى الدول الإقليمية إلى تقليل الأطراف المنخرطة في الحرب وتضييق نطاقها قدر الإمكان. كما يتجنب كثير من الدول الإقليمية الانفعال مع مجريات الحرب، مع تفضيل الهدوء إلى حين توافر فرصة لخفض التصعيد.
وهنا يمكن الإشارة إلى مواقف كلٍ من تركيا ومصر والسعودية ودول أخرى، حيث تتسق مواقفها في الترقب واتخاذ موقف دفاعي. ووفق مجريات الحرب، يبدو هذا الموقف متماشياً مع دعم الموقف الفلسطيني وتحييده عن مثل هذه الصراعات التي يتجاوز نطاقها القضية الفلسطينية، إذ تتشكل معادلاتها ضمن الصراع على النظام الدولي على حساب الأطراف الوسطى.
وفي سياق التهدئة وضبط السلوك، تسعى الدول الإقليمية إلى الوصول إلى تفاهم مناسب ومشترك بشأن تضييق أطراف الحرب، ويحدث تنسيق بين مصر والعراق وتركيا والسعودية، إذ هناك إدراك متقارب بأنه لا مصلحة في انتشار الحرب إقليمياً. وفي المراحل الأولى من هذه الحرب، المنفلتة القواعد وغير المتوقعة المسار، تكون مثل هذه المواقف مطلوبة، وخصوصاً مع الاندفاع العقائدي لكلٍ من الاحتلال والولايات المتحدة وإيران، والترويج لها على أساس العقيدة الصهيونية والإسلامية. فخلال مرحلة ما قبل الحرب، جرى التمهيد بحملات إعلامية وتصريحات سياسية على الجانبين كان محتواها مفعماً بالصراع على مرجعية دينية، وهي حالة تختلف عن الحروب الدولية السابقة التي نشبت بعد الحرب العالمية الأولى.
يتضح التطابق الأميركي–الإسرائيلي في طرح هاكابي لموقف اليمين المتطرف في إسرائيل، إذ يرى أولوية الوجود اليهودي على الحق الفلسطيني، بما يعكس حالة من تضافر الرؤية والموقف المضاد للنظام السياسي الفلسطيني. ويتضح ذلك في التضامن حول دعم الاستيطان في الضفة الغربية والضغط المستمر على السلطة حتى تفقد مقومات وجودها.
على أية حال، تعمل هذه الحرب على تحويل اهتمام مبعوثي الولايات المتحدة نحو يومياتها والسعي لاستمالة الدول الإقليمية لصالح الرواية الأميركية أو تحييدها، ما يشكل تراجعاً لأولوية الملف الفلسطيني، فيما يتزايد الانشغال بأمن إسرائيل ومساندتها في الحرب حتى تكون واحدة من الفاعلين الرئيسيين في مرحلة “السلام المدفوع بالقوة”، حسب التعريف الأميركي، بما يخلق نمطاً من المصالح الضارة بالأمن الإقليمي.
يشكل هذا السياق إطاراً معاكساً للمحاولات الإقليمية، سواء فيما يتعلق بإبقاء الملف الفلسطيني على طاولة الدعم الدولي أو في تكوين جبهة محايدة بعيدة عن الحرب. ويمثل هذا الوضع معضلة سياسية وأمنية تتطلب وضوح الموقف ودقته إزاء التصعيد واحتمالية دخول أطراف أوروبية الحرب إلى جانب الاحتلال.
هنا يمكن أن تقوم المقاربة السياسية على الاستثمار في تحصين الظهير الإقليمي الضامن لبقاء الكيان الفلسطيني، باعتباره الخيار الأكثر أماناً في هذه المرحلة، في ظل أولوية السعي للحفاظ على المكتسبات.
