تقدير الموقف

الحرب بعد اغتيال لاريجاني

يعكس اغتيال علي لاريجاني جانباً من إدارة الحرب الجارية بمنطق صفري، إذ يأتي هذا الحدث ضمن مسار يبدو مستقراً يهدف إلى تجاوز أي محاولة للتفاوض، كما يقطع الطريق على أي مبادرة إقليمية لوقف الحرب.

على مستوى التوجه الأمريكي والإسرائيلي، يظهر ما يشبه الاستقرار على اعتبار أن العمليات العسكرية هي الخيار الأساسي للتعامل مع إيران، مع تراجع مساحة العمل السياسي أو التفاوضي. ويبدو أن ما يجري يندرج ضمن نمط من تصعيد وخفض وتيرة الضربات بهدف إرباك منظومة الاتصال وصنع القرار داخل النظام الإيراني.

من ناحية إيران، يبرز موقف دفاعي موازٍ، إذ تقوم سياستها على أن المفاوضات لم تعد وسيلة فعالة لتسوية الخلاف مع الولايات المتحدة. وتستند هذه الرؤية إلى تقدير بأن الخلاف لا يقتصر على ملفات سياسية أو تقنية، بل يمتد إلى اختلافات أعمق تتعلق بطبيعة النظام وتوجهاته. وقد بدأت ملامح هذا التباين بالظهور مع تطورات الحرب في غزة، وامتدادها إلى الساحة السورية، والتصعيد في لبنان.

وفي ظل الفجوة الواسعة بين الطرفين، تتشكل ملامح المواقف الإقليمية والدولية في اتجاه تقليل الانخراط المباشر في الحرب. فعلى المستوى الإقليمي، تميل الدول إلى تبني مواقف دفاعية، كما هو الحال في دول الخليج، أو إلى مراقبة تطورات الأحداث مع اتخاذ تدابير احترازية لتجنب الانجرار إلى المواجهة، مع الإبقاء على استعدادات دفاعية في حال الضرورة.

أما على مستوى القوى الأوروبية والدول الكبرى، فيظهر ميل واضح لتجنب الانخراط المباشر في العمليات العسكرية، بحيث تبقى المواجهة محصورة بين أطرافها الرئيسية. وقد يُعزى هذا التوجه إلى الرغبة في الحد من التوترات الداخلية وتفادي انعكاسات الحرب على الرأي العام. وفي هذا السياق، تتجه سياسات بعض الدول، مثل بريطانيا والصين، إلى مراقبة الوضع دون الإشارة إلى نية التدخل المباشر، في إطار الحفاظ على توازن دولي يسمح بإدارة الصراع دون توسع غير محسوب.

في ظل هذه المعطيات، لا تبدو إيران في موقع مريح، إذ يشكل تراجع مستوى التفاهم بينها وبين بعض الدول الإقليمية عاملاً مؤثراً في استمرار الحرب. وقد يفتح ذلك المجال أمام سيناريوهات تؤدي إلى إضعاف بنية النظام، وربما الدفع نحو تحولات سياسية داخلية على المدى المتوسط.

ومع ترجيح هذا المسار، تبرز الحاجة إلى التفكير في المرحلة التالية، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على ضوء التحولات المحتملة في موازين القوى.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق