تقدير الموقف

نزع سلاح المقاومة وتأجيل تفعيل مجلس السلام في غزة

وافقت حركة حماس في أكتوبر 2025، بشكل مشروط، على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أفضت إلى وقف الحرب على قطاع غزة. غير أن هذه الموافقة جرى التعامل معها أمريكيًا وإسرائيليًا باعتبارها قبولًا كاملًا بجميع بنود الخطة، وعلى رأسها بند نزع سلاح المقاومة مقابل إطلاق مسار إعادة الإعمار. وتراهن حكومة بنيامين نتنياهو، بدعم من الإدارة الأمريكية، على الواقع الإنساني الكارثي في غزة، وافتراض محدودية قدرة المقاومة على المناورة، لفرض هذا الشرط كمدخل أساسي للمرحلة التالية.

من منظور القانون الدولي، يثير هذا الربط إشكالية جوهرية، إذ تتحمل قوة الاحتلال، بموجب اتفاقيات جنيف، مسؤولية حماية السكان المدنيين وتوفير احتياجاتهم الأساسية دون ربط ذلك بشروط سياسية أو أمنية. وعليه، فإن اشتراط نزع السلاح مقابل الإعمار لا يُعفي الاحتلال من التزاماته القانونية، بل يسهم في إعادة تعريف الإعمار كأداة ضغط سياسي.

التهرّبمناستحقاقاتالمرحلةالثانية

مع دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، والتي كان من المفترض أن تشمل انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة وبدء عمل لجنة التكنوقراط لإدارة الشؤون المدنية، اتجهت إسرائيل إلى مسار معاكس للاتفاق. فقد وسّعت نطاق سيطرتها الميدانية، وواصلت سياسة الاغتيالات بحق قيادات المقاومة، مبرّرة ذلك بعدم التزامها بنزع السلاح.

في هذا السياق، حاولت حكومة اليمين تصوير المقاومة بوصفها المستفيد من حالة الجمود، بزعم سعيها لإعادة بناء قدراتها العسكرية. وقد عكست هذا الطرح تقارير صحف عبرية عدة، من بينها صحيفة معاريف، التي أشارت مطلع فبراير 2026 إلى أن خيار العودة إلى الحرب بات مطروحًا، في ظل رهان إسرائيلي واضح على فشل مجلس السلام بوصفه المخرج الأنسب للعودة إلى المواجهة العسكرية بشروط أفضل.

ويخدم هذا السلوك مصلحة إسرائيلية مباشرة تتمثل في إطالة المرحلة الانتقالية، وإبقاء غزة في إطار إدارة أمنية–إنسانية منفصلة، دون كلفة سياسية أو قانونية، مع الحفاظ على حرية الحركة العسكرية وإبقاء خيار الحرب قائمًا متى اقتضت الحسابات الداخلية لحكومة نتنياهو.

مهلةالستينيومًا

في 16 فبراير 2026، قدّم مكتب نتنياهو مهلة مدتها 60 يومًا لفصائل المقاومة، طالب خلالها بتسليم السلاح، بما في ذلك السلاح الفردي، وتسليم خرائط الأنفاق. ووفقًا لموقع تايمزأوفإسرائيل، رُبط عدم الالتزام بهذه المهلة بتهديد صريح باستئناف العمليات العسكرية في غزة. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي أنس كاتس أن الجيش لن ينسحب من القطاع ما لم تتخلّ حماس عن سلاحها، رافضًا أي مقترحات بديلة، مثل تجميد السلاح.

وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات قيادات في حركة حماس، أبرزها خالد مشعل، أكدت رفض الحركة التخلي عن سلاحها، ما أغلق عمليًا أي هامش تفاوضي حول هذا الملف، وحوّل نزع السلاح إلى شرط إسرائيلي أحادي لا يستند إلى توافق سياسي أو ضمانات متبادلة.

الموقفالأمريكيوالغموضالمقصود

في المقابل، لم تعلن الإدارة الأمريكية موقفًا واضحًا من المهلة الإسرائيلية، مكتفية بالتأكيد على دعم “خطة السلام” ومجلسها دون الخوض في التفاصيل. ويعكس هذا الغموض حالة الجمود التي تطغى على المرحلة الثانية، والتي انعكست مباشرة على عمل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط.

وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن ضمّ نتنياهو إلى مجلس السلام جاء بهدف تقليص الفجوة مع الموقف الإسرائيلي، وترسيخ أولوية نزع سلاح المقاومة والسيطرة الأمنية على غزة، بما يفتح الباب أمام وصاية دولية بمرجعية أمريكية، ويعمّق الفصل السياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية. وقد وافقت حكومة نتنياهو على الانضمام للمجلس من دون تقديم أي التزامات مالية، تفاديًا لاعتراضات داخلية من اليمين الديني على تمويل إعادة الإعمار.

لجنةفلسطينيةأمإدارةخدماتيةبلاسيادة؟

رفضت حكومة نتنياهو دخول أعضاء لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة، واعترضت حتى على شعارها بذريعة تشابهه مع شعار السلطة الفلسطينية. ووفق صحيفة هآرتس، لا يزال الخلاف الإسرائيلي–الأمريكي قائمًا بشأن صلاحيات اللجنة، وهو ما يفسّر تأخر مباشرتها لمهامها.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن دور اللجنة قد يُختزل في إدارة قطاعات خدمية محدودة، مثل التعليم والصحة والبلديات، بما يجعل أعضاءها أقرب إلى موظفين محليين تابعين لإدارة دولية، على غرار “الإدارة المدنية” التي أدارتها إسرائيل قبل اتفاق أوسلو عام 1993. وفي هذه الحالة، يُعفى الاحتلال من مسؤولياته القانونية كقوة احتلال، وتُعاد القضية الفلسطينية إلى مرحلة تُنزع عنها أي مظاهر للسيادة السياسية.

مآلاتمحتملة

في حال استمرار هذا المسار، يظل خطر تحويل مجلس السلام إلى أداة لإدارة الأزمة بدل حلّها قائمًا، بما يرسّخ الفصل بين غزة والضفة الغربية، ويُبقي القضية الفلسطينية أسيرة مقاربات أمنية–إنسانية بلا أفق سياسي واضح، وهو ما ينسجم مع رؤية اليمين الإسرائيلي لمستقبل الصراع.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق