
الضم غير المُعلن للضفة الغربية
في إطار إجراءاتها المستمرة لضم الضفة الغربية، وتزايد تأثير الأحزاب الدينية على قرار حكومة اليمين الإسرائيلي، اتخذت حكومة نتنياهو في 9 فبراير 2026 العديد من الاجراءات الجديدة التي تهدف الى تمكين التطوير المتسارع للاستيطان في الضفة الغربية، وقد شملت هذه الإجراءات توسيع عمليات هدم المنازل الفلسطينية في مناطق A و B وعدم اقتصار تلك الإجراءات على مناطق C التي تمثل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع أمنياً وإدارياً للاحتلال الإسرائيلي وفقاً لاتفاق أوسلو 1993.
عقوبات ضد الفلسطينيين وتسهيلات للمستوطنين
لقد تمحورت القرارات الإسرائيلية الجديدة حول تمكين المستوطنين من شراء الأراضي في المناطق الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية، وهو ما يُعد تحولاً غير مسبوقاً في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية القائمة في الضفة الغربية، خاصةً وأن ملفات الفساد التي أعلنت عنها السلطة الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة تضمنت ملاحقة بعض أجهزة أمنها للعديد من الشخصيات القريبة منها والمحسوبة عليها، وقد كشفت بعض المواقع العبرية حينها عن العديد من الوثائق التي تثبت شراء المستوطنين للأراضي في مدينة أريحا على وجه الخصوص، ومناطق أخرى في الضفة الغربية، لذلك تضمن قرار الحكومة الإسرائيلية الكشف عن سجلات الأراضي ونشرها بشكل مُعلن بهدف التعرف على هوية مالكي الأراضي من الفلسطينيين وتسهيل عمليات الشراء أمام المستوطنين.
في سياق متصل تجاوز هذا الاجراء وغيره من الإجراءات الأخرى المتعلقة بالعقوبات ضد المواطنين الفلسطينيين في مناطق A و B، كتوجيه الاتهام بالوقوف خلف التلوث البيئي الناتج عن استغلال المياه الجوفية وملاحقة أصحاب المصانع والمحاجر في مدينة الخليل وكافة مناطق الضفة الغربية، القانون الأردني القائم في الضفة الغربية منذ خضوعها للحكم الأردني حتى مطلع ثمانينات القرن الماضي، وبسبب هذه القانون المتعلق بملكية الأراضي في الضفة الغربية كان على المستوطنين اللجوء الى شركات مسجلة قبل الاقدام على شراء الأراضي في الضفة الغربية، لذلك كانوا بحاجة الى الحصول على تصريح من الإدارة المدنية في الضفة الغربية تحت مسمى “تصريح صفقة”، أما الآن ووفقاً للإجراءات الجديدة لم يعودا بحاجة الى ذلك، لأنه وفقاً لقرار الحكومة الإسرائيلية سيكون مسموحاً لهم بشراء الأراضي بالإجراءات المعمول بها في تل أبيب.
التخلص من المؤسسات المحلية الفلسطينية
يركز قرار الحكومة الإسرائيلية على مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية لأسباب دينية، إضافة الى أنها تُعتبر العاصمة المقدسة لدى قيادات اليمين الديني الصهيوني، لهذا تضمن قرار حكومة نتنياهو سحب صلاحيات ترخيص البناء في الحي اليهودي الاستيطاني في مدينة الخليل، وهي صلاحيات كانت تتبع الى بلدية الخليل التابعة للسلطة الفلسطينية، على أن يتم نقل تلك الصلاحيات الى الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهو ما يشمل التراخيص المتعلقة بالحرم الابراهيمي ومواقع أخرى في مدينة الخليل يزعم الاحتلال بأنها مواقع دينية يهودية.
وفقاً لصحيفة يديعوت الإسرائيلية أن القرار المتعلق بمدينة الخليل من شأنه أن يحول الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالبنية التحتية والانشاءات الى مسار إسرائيلي مستقل بعيداً عن مشاركة فلسطينية أو أي دور فلسطيني، حيث يظهر ذلك جلياً في تحويل صلاحيات بلدية مدينة الخليل الى مديرية الخليل الاستيطانية، أي أن قطاع الخدمات المتعلق بالمستوطنين هناك بات مستقلاً عن بلدية الخليل، ولم يعد لهذه الأخيرة أي تأثير على الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالمستوطنات وغيرها من البنية التحتية التابعة للمستوطنين.
توافق بين حكومة اليمين ومجلس المستوطنات يتناقض مع موقف المعارضة
يعتبر مجلس المستوطنات الإسرائيلي في الضفة الغربية تلك الإجراءات بمثابة التحول الأبرز منذ 58 عاماً، وهو ما يتفق مع تصريحات قيادة الحكومة الإسرائيلية التي اعتبرت تلك القرارات ضرورية لإعادة يهودا والسامرة الى دولة الاحتلال، حيث يؤكد نتنياهو على أهمية منع قيام الدولة الفلسطينية التي تهدد وجود الكيان الصهيوني. لكن في المقابل لا تتفق المعارضة الإسرائيلية مع تلك الإجراءات، فالخلاف هنا لا يكمن في مضمون تلك القرارات وتداعياتها على القضية الفلسطينية، بل يتعلق بتوقيت هذه الإجراءات وتداعياتها الدولية والقانونية على إسرائيل، حيث تؤكد الحركات اليسارية في إسرائيل على أن مثل هذه القرارات لا تتفق مع قوانين الكنيست الإسرائيلي، لأن حكومة نتنياهو عليها العودة الى الكنيست، في الوقت ذاته، فإن مثل هذه القرارات تزيد من عزلة إسرائيل الدولية بعد حرب الإبادة على قطاع غزة.
الموقف الأمريكي
استبق رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو زيارته الأخيرة الى واشنطن باتخاذ مثل هذه الإجراءات الخطيرة في الضفة الغربية، خاصةً وأن تلك الإجراءات تأتي على غير الطلب الأمريكي المعلن الذي يسعى لتهدئة الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، لكن بالرغم من رفض إدارة ترامب لهذه الإجراءات، إلا أنها لم تتخذ أي إجراءات عملية مضادة، وهذا ما تدركه الحكومة الإسرائيلية التي تحاول تغيير واقع الضفة الغربية دون أن يكون ضم الضفة الغربية معلناً بشكل رسمي، خاصةً وأن قرارات الإدارة الأمريكية السابقة التي أوقفت بموجبها العقوبات على مستوطني الضفة الغربية تأتي لتشجيع حكومة نتنياهو على مثل هذه الإجراءات. وهنا يستفيد نتنياهو من طبيعة الموقف الأمريكي الذي يرفض ضم الضفة الغربية لفظياً دون اتخاذ أي إجراءات مضادة، تحت ذريعة الحفاظ على الهدوء في الضفة الغربية، كما أن عدم توجيه أي عقوبات أمريكية للحكومة الإسرائيلية أو للمستوطنين له علاقة بالتفاعلات الأمريكية الداخلية التي يعول عليها نتنياهو وحكومته، لأن أي عقوبات أمريكية على إسرائيل تعتبرها المؤسسات الأمريكية تخلياً عن شريكها الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
