تقدير الموقف

القائمة المشتركة صداع في رأس اليمين الصهيوني

بعد نحو خمسة أعوام من الخلاف والتفكك، وما صاحبهما من تحديات سياسية وأخرى اجتماعية شكّلت تهديدًا حقيقيًا على المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل، اتجهت الأحزاب العربية الأربع: «راعم، حدش، تعال، وبلد» في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى التوافق على قائمة موحّدة، يجري الترتيب لطبيعة أهدافها السياسية قبل التوجّه إلى انتخابات الكنيست الصهيوني المقررة في نهاية العام الجاري 2026. ويأتي هذا التوافق الفلسطيني في الداخل المحتل استجابةً لمطالب الجمهور التي تتجاوز نسبتها 80% من الرأي العام، والتي تطالب دائمًا بالوحدة لمواجهة التحديات، المتمثّلة في مساعي اليمين المتطرف لإقصاء الوجود العربي من الكنيست، خصوصًا أن من شأن الأحزاب العربية في الكيان الصهيوني أن تكون الخيار شبه الوحيد لأي ائتلاف حكومي قادم بعد مرحلة نتنياهو، رغبةً في إسقاط حكومة الأخير التي تحاول تصفية الوجود الفلسطيني بشكلٍ عام، سواء في الداخل أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

توقعات القائمة العربية المشتركة
وفقًا لاستطلاعات الرأي الإسرائيلية، مثل استطلاع صحيفة «معاريف» وقناة 13 الإسرائيلية، فإن حظوظ القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست القادمة تتراوح بين 13 و15 مقعدًا، ما يشكّل مصدر قلق كبير لقوى اليمين التي استفادت سابقًا من تلك الخلافات التي فرضت نفسها على الأحزاب العربية، وهو ما غيّبها عن التأثير السياسي خلال السنوات الماضية. ويوضح أيمن عودة أن هدف القائمة المشتركة يتمثّل في مواجهة الحكومة اليمينية الفاشية التي يقودها نتنياهو، مرجّحًا أن تتجه حكومة اليمين الحالية إلى تخفيض نسبة الحسم في الانتخابات القادمة، بهدف فتح المجال أمام أحزاب صهيونية جديدة يمكنها مزاحمة العرب أو منعهم من الحصول على عدد كبير من المقاعد في الكنيست.

ومن جانب آخر، يشكّل هدف مواجهة مساعي اليمين الديني المتطرف لإسكات الصوت العربي واتهامه بالإرهاب، وما يصاحب ذلك من دعم الشرطة الصهيونية للجريمة في أوساط المجتمع العربي، أحد أبرز أهداف الكتلة المشتركة المنبثقة عن هذا التحالف. وفي هذا السياق، تتخوّف الأحزاب العربية من بقاء اليمين الديني والقومي في الحكم خلال الانتخابات القادمة، إذ ترى أنه في هذه الحالة ستصبح عملية التصفية بحق المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل أمرًا حتميًا.

ويحظى خيار إعادة تشكيل قائمة عربية مشتركة بدعم واسع داخل المجتمع العربي، غير أن العقبات الرئيسية تتمثّل في ترتيب المواقع السياسية على القائمة، وموقف الأحزاب المشاركة فيها من الحكومة القادمة. فبينما تصرّ معظم الأحزاب العربية على رفض الانضمام إلى أي ائتلاف حكومي، يرى منصور عباس أن التأثير الحقيقي يتحقق من داخل الحكومة، وليس فقط من موقع المعارضة. وهذا ما يحاول منصور عباس تحقيقه من خلال الانفصال عن الحركة الإسلامية، بهدف كسب المزيد من الأصوات، لا سيّما أنه لم يعد يقدّم حزبه باعتباره حزبًا ذا طابع إسلامي، أملًا في الحصول على أصوات المسيحيين وبعض اليهود.

القائمة المشتركة وترجيح شكل الحكومة
لم يكن خبر التوافق العربي على القائمة المشتركة سارًّا بالنسبة لنتنياهو، لأن اتفاق الأحزاب العربية يقلّص من فرصه في تشكيل حكومة، كما أن أحزاب اليمين الديني سوف تواجه إشكالات في تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.5%. ووفقًا لاستطلاعات الرأي في بعض الصحف العبرية، فإن حزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الحالي في حكومة نتنياهو، لن يستطيع تجاوز نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة إذا ما أُجريت الانتخابات اليوم، وهو ما يساهم في حرمان نتنياهو من القدرة على تشكيل حكومة مدعومة من ائتلاف حزبي قوامه 61 مقعدًا في الكنيست الإسرائيلي.

ولا يقتصر الأمر على مستقبل حزب «الصهيونية الدينية»، بل يشمل كافة أحزاب اليمين الصغيرة، أو ما تُعرف بالأحزاب المتأرجحة، وهي أحزاب اعتادت مواجهة إشكالية في تخطّي نسبة الحسم. وقد حذّر أيمن عودة من هذا الأمر، موضحًا أن ذهاب اليمين إلى تقليل نسبة الحسم يبقى أمرًا واردًا، بهدف الحفاظ على حظوظ الأحزاب المتأرجحة القريبة فكريًا من رؤية نتنياهو السياسية. ولذلك، ثمة اعتقاد سائد في إسرائيل بأن أهم العوامل التي قد تحول دون قدرة حزب «الليكود» على تشكيل حكومة بعد الانتخابات المقبلة تكمن في تقليص حجم معسكر اليمين بشقّيه الديني والقومي الداعمين لنتنياهو، وكذلك تقليص عدد الأحزاب المستعدة مستقبلًا لدعم أي حكومة يقودها. وعليه، فإن وصول كتلة حزبية عربية مشتركة من شأنه رفع مستوى التمثيل العربي، ومن المرجّح أن يكون ذلك على حساب أحزاب اليمين الحليفة لنتنياهو، وحزب الليكود على وجه الخصوص.

ردّ فعل اليمين الإسرائيلي
إزاء تحركات القائمة المشتركة، تحاول قيادة اليمين الإسرائيلي المتطرف الربط بين قيادة القائمة وكلٍّ من حركتي حماس وحزب الله، على اعتبار أن منصور عباس، عضو الكنيست ونائب رئيس الحركة الإسلامية (فرع الجنوب)، يُعدّ—وفق ادعاءاتهم—أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين التي تواجه اتهامات بالإرهاب مؤخرًا. وفي هذا السياق، قال إيتمار بن غفير إن تحالف الأحزاب العربية هو تحالف «ممثلي الإرهاب»، على حدّ زعمه.

ولتوضيح هذه الرواية، نشر رئيس كتلة الحكومة في الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود، أوفير كاتس، صورة تجمع قادة الأحزاب العربية، مشيرًا إلى دور هذه القيادات في الحكومة الإسرائيلية المقبلة في حال فوز نفتالي بينيت، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق والمعارض للائتلاف الحكومي الحالي. وتسعى قيادة اليمين، من خلال ذلك، إلى التأثير على حظوظ المعارضة المنافسة لها بشدة، عبر ربط نجاحها المحتمل بالتحالف مع القائمة العربية المشتركة.


وبشكلٍ عام، يبقى التوافق على الرؤية السياسية للقائمة العربية المشتركة محلّ تشاور على مستوى الأحزاب العربية الأربع، التي تحاول التوصل إلى اتفاق حول برنامجها السياسي وطبيعة تحالفها مع الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة. ووفقًا لأيمن عودة، فإن الهدف الأساسي للقائمة يتمثّل في الإطاحة بنتنياهو واليمين المتطرف خلال الانتخابات المقبلة عبر توسيع الوجود العربي في الكنيست. ولذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثّل في أنه في حال تمكّنت المعارضة الصهيونية من الحصول على 61 مقعدًا خلال الانتخابات المقبلة، فإن دعم القائمة المشتركة لها سيكون الأقرب أو الأكثر احتمالًا، سواء عبر المشاركة الفعلية في الائتلاف، أو من خلال تقديم دعم خارجي للحكومة التي ستكون بديلة عن حكومة اليمين الحالية التي يقودها نتنياهو.

ويُعدّ مدى قدرة القائمة المشتركة على الحفاظ على برنامجها المشترك وتنسيقها الداخلي عاملًا حاسمًا في ترجيح موازين القوى داخل الكنيست، خصوصًا في ظل استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن خوض الأحزاب العربية الانتخابات ضمن قائمة موحّدة قد يرفع تمثيلها إلى ما بين 13 و15 مقعدًا، وهو ما يجعلها كتلة لا غنى عنها في أي تشكيل حكومي مقبل.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق