تقدير الموقف

أدوارالوسطاء والاقتراب من بدء المرحلة الثانية 

رغم محاولات الاحتلال الانفلات من اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل الدول الموقعة على اتفاق «شرم الشيخ» التحضير للدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق. يأتي ذلك في سياق اتساع دائرة التفاهمات الهادفة إلى تهدئة مواقف الأطراف المختلفة حيال المراحل اللاحقة. وفي هذا الإطار، يسهم تناول أدوار الوسطاء في بلورة التصورات المختلفة في استشراف فرص الانتقال بخطة السلام إلى حيّز التنفيذ، ومدى الالتزام بوقف الحرب.

مؤتمر ميامي وهندسة الوساطة

منذ توقيع اتفاق شرم الشيخ في 6 أكتوبر الماضي، بوساطة مصرية وقطرية، برز قبول من المقاومة ومن حكومة نتنياهو بوقف شامل لإطلاق النار، وقد تعزّز هذا المسار مع استقرار المواقف الدولية على ضرورة وقف الحرب، وهو ما بدا واضحاً في العديد من اللقاءات الدولية والإقليمية.

وفي سياق الجولات المتعددة، شكّل اجتماع «ميامي» في 19 ديسمبر 2025، بمشاركة ممثلي الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر، محطة لافتة عكست تقارب مواقف الدول الضامنة وتماسكها حول تثبيت وقف إطلاق النار. وقد اتفقت الأطراف على إنجاز المرحلة الأولى والبدء بالتحضير للمرحلة الثانية، في تطور يُكتسب أهميته في ظل تعاظم تحديات الأمن الإقليمي.

ووفق البيان المشترك الصادر عن الاجتماع، تركز جدول الأعمال على مراجعة تنفيذ المرحلة الأولى والاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية. وأُشير إلى تحقق تقدم تمثل في توسيع نطاق المساعدات، وإعادة جثامين محتجزين، وتنفيذ انسحابات إسرائيلية جزئية، إضافة إلى خفض مستوى الخروقات من جانب الاحتلال. ورغم أن هذه الخطوات لا ترقى إلى إنجازات مكتملة بحد ذاتها، إلا أنها تُعد مؤشراً على الاستجابة للضغوط الأمريكية.

ومن الجوانب اللافتة في الاجتماع، مناقشة متطلبات التحضير للمرحلة الثانية، حيث جرى التوافق على تمكين هيئة حُكم في قطاع غزة بمهام سياسية وأمنية واضحة قدر الإمكان. وفي هذا السياق، تم التلاقي على أن تكون هذه الهيئة من داخل القطاع، وتتولى مسؤوليات حماية المدنيين والحفاظ على النظام العام.

وتحت مظلة الالتزام بخطة السلام في غزة، اعتبر البيان المشترك أن تحسين الأمن الإقليمي يمثل عنصراً أساسياً لتعافي القطاع وتعزيز الاستقرار الإقليمي، داعياً إلى تسهيل التجارة، وتطوير البنية التحتية، والتعاون في مجالات الطاقة والمياه وغيرها من الموارد المشتركة، بما يشكّل قاعدة مستدامة للسلام على المدى الطويل. كما اعتبر مجلس السلام الوحدة والهيئة الأساسية لتنسيق المسارات المتعلقة بغزة.

وفي سياق البحث عن توسيع الضمانات، ناقش الاجتماع «الاتفاق على الخطوات التالية للضغط على كل من إسرائيل وحماس لتنفيذ التزاماتهما»، على أساس معادلة متوازنة تقف على مسافة متقاربة من طرفي الصراع، لا أن تُمارَس الضغوط على طرف دون آخر. ولا يمكن فصل هذه النتيجة عن المسار التفاوضي منذ بداية الحرب، حيث انشغلت الأطراف العربية والإسلامية بتكريس حضور الطرف الفلسطيني على قدم المساواة والاحترام في المحافل الدولية، وهو ما تجلّى بوضوح في مفاوضات شرم الشيخ، ثمرةً لمسار طويل من العمل داخل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي.

وبوجه عام، يمكن اعتبار اجتماع «ميامي» أرضية عملية لتنفيذ المراحل اللاحقة من خطة السلام، مع مراعاة التدرج والتنسيق والمراجعة الفعّالة، في إطار شراكة مع المؤسسات الغزية المحلية والشركاء الدوليين. ويقابل ذلك تحوّل ملحوظ في الموقف الأمريكي تجاه حكومة نتنياهو، إذ منذ خطاب ترمب أمام الكنيست في 13 أكتوبر الماضي، برزت السياسة الأمريكية كعامل ضغط وإلزام أسهم إلى حدّ كبير في كبح الفلتان الإسرائيلي ومنع العودة إلى الحرب الشاملة، وهو ما اعتبره بيان «ميامي» من مقومات نجاح المرحلة الأولى، وعنصراً مساعداً للانتقال إلى المرحلة الثانية.

يشكّل لقاء ميامي نقطة التقاء بين الوسطاء والضامنين على استكمال متطلبات المراحل التالية، ويعكس مساحة مشتركة بين الدول الأربع في ضرورة تهدئة الملف الفلسطيني. ويوفر هذا السياق فرصة لبناء مسار عملي لوقف الحرب، وفتح أفق الوصول إلى الدولة الفلسطينية، مستفيداً من تركّز الأطراف المؤثرة في أربع دول تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في طرفي الصراع، الإسرائيلي والفلسطيني.

الوساطة المرنة

على صعيد التفاعلات خارج اجتماع ميامي، وفي إطار التحضيرات الأمريكية المتسارعة للإعلان الرسمي عن مجلس السلام في غزة خلال الأسبوع الجاري، أجرى المبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، سلسلة لقاءات مع مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، تناولت ترتيبات المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، بالتزامن مع تعيينه مديراً لمجلس السلام في غزة.

وبعد إثارة الخلافات حول مسألة نزع السلاح، اتسمت التحركات الأمريكية بقدر من المرونة في الدخول إلى المرحلة الثانية قبل إنجاز ملف نزع السلاح، وهي نقطة تقترب من مطالب الوسطاء بضرورة توفير ضمانات موازية تتعلق بالانسحاب. وتعمل السياسة الأمريكية على مسارين محتملين: إما التوافق على نزع السلاح، أو السعي إلى فرضه بالقوة.

إقليمياً، شكّلت الاتصالات بين وزيري خارجية تركيا ومصر في 23 ديسمبر 2025 دعماً سياسياً لما تم التوافق عليه، وإسناداً لمخرجات اجتماع ميامي والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة. وفي هذا السياق، تناولت المباحثات دعم المتطلبات الفلسطينية، ولا سيما تدشين لجنة تكنوقراط فلسطينية مؤقتة لإدارة الشؤون اليومية في القطاع، كخطوة تمهيدية لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بصلاحياتها ومسؤولياتها، إلى جانب بحث نشر قوة استقرار دولية، وبدء مسار التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وخلال هذه الفترة، يواصل الوسطاء العمل على التحضير لمؤسسات المرحلة الانتقالية. وقد استحوذ تشكيل لجنة إدارة القطاع على جانب مهم من هذه التحركات، حيث قدّمت مصر مقترحاً بتشكيل لجنة من شخصيات مستقلة متخصصة (تكنوقراط) لإدارة القطاع. ومع مطلع شهر يناير الجاري، تسارعت الجهود لتشكيل الهيئات المؤقتة، بما يشمل مجلس السلام، والإدارة المدنية، وقوة الاستقرار، باعتبارها هياكل الحُكم المناط بها تنفيذ الالتزامات المتبادلة والإشراف عليها.

وفي مواجهة المماطلة الإسرائيلية، المتمثلة في إغلاق المعبر والإعلان عن فتحه باتجاه واحد، واصلت مصر التأكيد على ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار ورفض التهجير، وهي سياسة تحظى بتوافق بين الوسطاء، بما لا يترك مجالاً للمماطلة أو إطالة أمد المراحل. وقد جدد الرئيس المصري هذا الموقف خلال لقائه بالممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي في 10 يناير 2026، مؤكداً رفض أي مساعٍ لتهجير الفلسطينيين وضرورة الشروع في إعادة الإعمار. وفي السياق ذاته، جرت مباحثات بين مصر والأردن والاتحاد الأوروبي حول التعاون في تدريب الشرطة الفلسطينية عبر بعثة الشرطة الأوروبية.

وفي ظل القلق من محاولات الفصل بين غزة والضفة الغربية، شددت مصر وتركيا على رفض أي إجراءات أو ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو إضعاف المجتمع الفلسطيني في الضفة. وعلى المستوى العسكري–الأمني، ما زال ملف قوة الاستقرار الدولية محل خلاف، في ظل تباطؤ ملحوظ يعود في معظمه إلى غموض الموقف من نزع السلاح، ورغبة الدول في الحصول على ضمانات تحول دون الانخراط في صراعات جانبية، وتُلزم إسرائيل بتنفيذ الاتفاق. وبينما تسعى القيادة المركزية الأمريكية لتجاوز الخلافات الفنية، تصر دول مثل السعودية والإمارات ومصر على أن تكون السلطة الفلسطينية جزءاً أساسياً من منظومة الحكم في غزة.

قيود الصراع الإقليمي

تجري هذه التطورات في ظل تركيز متزايد من الولايات المتحدة وإسرائيل على ملف إيران، بما يشغل حيزاً من الاهتمام عن مسار وقف الحرب في غزة والرعاية الإنسانية لسكانها. ومع اندلاع الاحتجاجات في إيران، بات واضحاً تحوّل الأولويات الأمريكية، الأمر الذي دفع حكومة نتنياهو إلى اتباع مسارين متوازيين: الأول توسيع التحركات الإقليمية والتلويح بمواجهة مع إيران، والثاني تصعيد الخروقات في غزة، والتلكؤ في فتح معبر رفح، واتساع رقعة الاشتباكات في الضفة الغربية. وتُنتج هذه البيئة ظروفاً معاكسة لتنفيذ الاتفاق، وتزيد من احتمالات انصراف إسرائيل إلى ملفات أخرى.

ويتمثل وجه آخر لهذه القيود في غياب قواعد واضحة لإدارة معبر رفح خلال المرحلة الأولى، ما يشكل معضلة في ظل غياب آليات الإكراه التي تُلزم إسرائيل بتطبيق اتفاقية المرور بين غزة ومصر.

وعلى أية حال، لم يقتصر دور المجموعة العربية–الإسلامية على نقل مشاهد حرب الإبادة إلى الغرب، بل عملت على ترسيخ فهم عربي–إسلامي للقضية الفلسطينية داخل مراكز صنع القرار الأمريكية والأوروبية، بما انعكس في مقاربات أكثر توازناً داخل الجمعية العامة، وظهر جلياً في التعديلات التي أُدخلت على مبادرة ترمب، وفي الجهود الجماعية لمنع التهجير القسري.

إن ما يجري بين الاجتماعات يعكس وجود رؤية مشتركة للمضي نحو وقف الحرب، ومواجهة محاولات إسرائيل في هذه المرحلة، خصوصاً تلك الرامية إلى تحييد تركيا وإبعادها عن ملفات فلسطين وسوريا إن أمكن. ومن هذه الزاوية، يُعدّ حضور تركيا ضمن الدول الموقعة على اتفاق شرم الشيخ، ومشاركتها في متابعة مراحل وقف إطلاق النار، نتيجة معاكسة تسهم في تعزيز تماسك الظهير الداعم للقضية الفلسطينية.

وفي ظل هذه التطورات، اتسعت مساحة الثقة بين المقاومة وحركة حماس من جهة، ومصر وتركيا من جهة أخرى، وهو ما تجلّى في مسار التفاوض حول ضمانات التعامل مع ملف نزع السلاح، بما أفضى إلى قناعة متزايدة بترابط المواقف الإقليمية الساعية إلى حل متوازن يضمن الانسحاب الإسرائيلي من القطاع. وفي هذا الإطار، تتواصل المشاورات بين الوسطاء الإقليميين وحماس لترتيب خطوات المرحلة المقبلة.

خاتماً تشي هذه الديناميات بأن مسار الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بات أقرب من أي وقت مضى، لكنه يظل رهناً بقدرة الوسطاء على تثبيت معادلة التوازن بين الضمانات والالتزامات، ومنع انزلاق المسار إلى رهائن الحسابات الإقليمية الأوسع. وبينما تتقاطع فرص التقدم مع قيود الواقع، يجد القارئ نفسه أمام لحظة دقيقة لتقدير الموقف: فإما أن تُستثمر هذه التفاهمات لتكريس وقف الحرب وفتح أفق سياسي جديد، أو أن تتحول إلى محطة مؤقتة في مسار قابل للانتكاس، ما يجعل الأسابيع القادمة اختباراً حاسماً لجدية الأطراف وقدرتها على تحويل الوساطة من إدارة للأزمة إلى بوابة للحل.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق