
“المقاربة الإسرائيلية” للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار
تواجه المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة عدداً من النقاط العالقة، أبرزها مسألة سحب سلاح المقاومة، وتحديد الدول الإقليمية التي ستُشكّل القوات الدولية العاملة في القطاع. وتمثل هذه القضايا عقبات بارزة يعمل الجانب الإسرائيلي على توظيفها للإبقاء على الوضع القائم في غزة، ولا سيما أن الانسحاب من مناطق جديدة داخل القطاع من شأنه أن يشكّل تهديداً داخلياً لمستقبل حكومة نتنياهو وعلاقتها بقيادة الائتلاف الحاكم. وهو ما يجعل الموقف السياسي الإسرائيلي أكثر تركيزاً على التداعيات الأمنية المحتملة للمرحلة الثانية، في إطار مبررات إسرائيلية معتادة تحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى تفادي الدخول في خلافات وصراعات داخلية.
قواعد اشتباك جديدة
كشفت زيارة نتنياهو إلى واشنطن في 29 ديسمبر 2025 عن توجهات الحكومة الإسرائيلية الساعية إلى تكريس واقع جديد يقوم على التصعيد وتوسيع هامش استخدام القوة، مع تركيز خاص على قطاع غزة. وقد تجلّى ذلك خلال الأيام الماضية عبر توسيع بعض مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، بغضّ النظر عن تفاصيل وقف إطلاق النار ومناطق الانتشار المتفق عليها، إلى جانب التركيز الواضح على سياسة الاغتيالات في القطاع.
وباتت عمليات الاغتيال ركيزة أساسية في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، وهو ما تعتبره المؤسسة الأمنية في إسرائيل إنجازاً يحفظ بقاء اتفاق وقف إطلاق النار شكلياً، ويمنح إسرائيل القدرة على ملاحقة قيادات المقاومة دون ضغوط دولية تُذكر. ويبدو أن المستوى السياسي الإسرائيلي معنيّ بالحفاظ على المظهر الخارجي للاتفاق، مع الإبقاء على أشكال متعددة من الحرب مستمرة داخل قطاع غزة.
وتشير آراء قيادات أمنية إسرائيلية إلى أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تعميق حالة الفوضى في القطاع، بما يحول دون تمكين الفلسطينيين من إعادة ترتيب صفوفهم، لا سيما على المستوى السياسي. ولا يقتصر أثر هذه السياسة على تعطيل أي توافق سياسي فلسطيني محتمل، بل يتجاوز ذلك إلى تعزيز المشاريع الإسرائيلية–الأمريكية الرامية إلى إعادة هندسة قطاع غزة على أسس أمنية، تبدأ من مشاريع إسكانية في مدينة رفح جنوب القطاع.
ووفقاً لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، لم تصدر القيادة السياسية في إسرائيل حتى الآن أي أوامر تتعلق بالاستعداد للانسحاب من مواقع مختلفة داخل قطاع غزة. ويبرر جيش الاحتلال هذا الموقف بوجود جثمان رهينة لا يزال داخل القطاع، معتبراً أن هذا الملف يعيق الترتيبات المرتبطة بالمرحلة الثانية.
وفي هذا السياق، لا تُخفي التقديرات الإعلامية في الداخل الإسرائيلي سيناريو عودة الحرب إلى غزة خلال الأسابيع المقبلة، إذ يربط الخطاب الإسرائيلي العام بين استمرار وجود سلاح المقاومة وإمكانية إعادة بنائها لقدراتها العسكرية، بما قد يضع إسرائيل أمام تهديد أمني متجدد. وتشير تحليلات إسرائيلية متعددة إلى نجاح حركة حماس في ترميم عدد من أنفاقها، واستعدادها المحتمل لجولات قتال جديدة، وهو ما تستخدمه حكومة نتنياهو لتبرير تكثيف سياسة الاغتيالات، وتوسيع السيطرة العسكرية داخل القطاع، وفرض مزيد من الضغوط الإقليمية على المقاومة بهدف دفعها نحو نزع السلاح.
رفح كاختبار للحل الدولي
تهدف محاولات حكومة نتنياهو للبقاء داخل قطاع غزة إلى إعادة ترتيب الديمغرافيا الفلسطينية وفق أسس أمنية إسرائيلية، خاصة في ظل فشلها في تحقيق نتائج ملموسة على صعيد تهجير سكان القطاع. ويكشف الخطاب التصعيدي الصادر عن حكومة نتنياهو افتقاره إلى هامش مناورة سياسية حقيقية، بفعل الضغوط الأمريكية المتزايدة.
وفي هذا الإطار، يُطرح نموذج رفح، أو إعادة توزيع سكان قطاع غزة وفق الرؤية الإسرائيلية، كخيار طارد للسكان على المديين القصير والمتوسط. ويُظهر التركيز الإسرائيلي–الأمريكي على هذا النموذج، مع تجاهل فتح المعابر، وإدخال المساعدات، والشروع في إعادة الإعمار، توجهاً نحو حلول أمنية مؤقتة تفتقر إلى الاستدامة. كما أن هذه المقاربة تُحدث تغييراً قسرياً في التوزيع الديمغرافي للقطاع، وتزيد من أعباء الالتزامات الدولية، بما يعزز شعور السكان بانسداد الأفق ويدفعهم إلى التفكير الدائم في الهجرة.
المرحلة الثانية والخلافات الداخلية
على الرغم من الترحيب المشروط الذي أبدته حكومة نتنياهو بالمرحلة الثانية من الاتفاق، وإجراء بعض الترتيبات على مستوى مجلس السلام الدولي خلال الأيام الماضية، إلا أن الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى أي التزام تجاه غزة بوصفه إنجازاً سياسياً لحركة حماس. ويعود ذلك إلى تبنّيها خيار إنهاء الحرب عبر الحسم العسكري الكامل، وهو خيار لا يقتصر على قوى اليمين المتطرف، بل يخدم أيضاً حسابات نتنياهو المتعلقة بمستقبله السياسي.
ويظهر ذلك في مناورات نتنياهو المستمرة لتخفيف الضغوط الأمريكية، عبر التذرع برفض شركائه في الائتلاف لأي تنازلات، وما قد يترتب على ذلك من تهديد لاستقرار حكومته. ولهذا، يسعى نتنياهو إلى ربط الدخول في المرحلة الثانية بسلسلة من الشروط الأمنية الصارمة داخل قطاع غزة.
وفي هذا السياق، يشير المحلل العسكري الإسرائيلي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، إلى أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تمثل مصدر قلق مركزي لنتنياهو وائتلافه الحاكم. ويوضح أن المخاوف لا تقتصر على التداعيات الأمنية، بل تمتد إلى التداعيات السياسية الداخلية التي قد تؤدي إلى انهيار الائتلاف والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
مناورة التخلي عن المساعدات العسكرية الأمريكية
في مواجهة الضغوط الأمريكية وتداعياتها الداخلية، أعلن نتنياهو عن تبنّي سياسة التخلي التدريجي عن المساعدات العسكرية الأمريكية خلال السنوات العشر المقبلة. وقد فسّرت تحليلات إسرائيلية عديدة هذا الإعلان في سياق حالة الضعف السياسي التي تواجهها إسرائيل إقليمياً، خاصة أن حروبها الأخيرة اعتمدت بشكل كبير على السلاح الأمريكي.
وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن تصريحات نتنياهو لا تستهدف الإقليم فقط، بل تحمل بعداً دولياً يسعى من خلاله إلى تقديم إسرائيل كدولة بلغت مرحلة «النضج الدفاعي». في المقابل، اعتبرت صحف إسرائيلية أخرى هذه التصريحات مصيرية على المستويين السياسي والاستراتيجي، في ظل غياب خطة واضحة أو آليات محددة للانتقال بعيداً عن الدعم الأمريكي، فضلاً عن تشكيك محللين في مدى انسجام هذه الخطوة مع متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي، في ظل استمرار التوترات الإقليمية المحيطة بإسرائيل.
ويرتبط هذا الخطاب أيضاً بمستقبل العلاقة مع قطاع غزة، إذ تواجه حكومة نتنياهو انتقادات داخلية متزايدة بسبب تبعيتها للقرار الأمريكي، ودور واشنطن في دفعها نحو المرحلة الثانية من الاتفاق. وفي هذا الإطار، تبدو تصريحات نتنياهو محاولة لإعادة ترميم موقعه السياسي الداخلي أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً فعلياً.
ختاماً : تكشف المقاربة الإسرائيلية للمرحلة الثانية عن مزيج معقد من الهواجس الأمنية والمناورات السياسية الداخلية، حيث تُستخدم الملفات العالقة كأدوات لإدارة الأزمة لا لحلّها. وبين ضغط أمريكي متصاعد، وائتلاف هشّ، وخشية من تحولات ميدانية غير محسوبة، تقف حكومة نتنياهو أمام مفترق طرق حاسم: إما الانخراط الجدي في مسار المرحلة الثانية بما يحمله من استحقاقات سياسية وأمنية، أو الاستمرار في سياسة التعطيل والتصعيد المقنّع، مع ما تحمله من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة جديدة. وفي هذه اللحظة، يجد القارئ نفسه أمام سؤال مفتوح: هل تمضي إسرائيل نحو تسوية محسوبة، أم تفضّل إدارة الصراع حتى إشعار آخر، مهما كانت الكلفة؟
