
مجلس السلام وآفاقه الدولية
شهدت الفترة اللاحقة لصدور قرار مجلس الأمن رقم 2803 حراكاً سياسياً دولياً يهدف إلى تجسيد الهيئات السياسية والإدارية على أرض الواقع، لتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وفي هذا السياق، بدأت مسارات تشكيل اللجنة التنفيذية الفلسطينية، وعلى مستوى آخر، استمرت الولايات المتحدة في الترتيب لإجراءات تشكيل مجلس السلام والمجلس التنفيذي المستدير، ليكونا بمثابة القاطرة السياسية لوقف الحرب.
مجلس السلام والتصور الأمريكي
خلال هذه الفترة، ظهرت محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتأطير الشكل القانوني لمجلس السلام، حيث طرح صيغة متفائلة وواسعة لا تقتصر على معالجة تداعيات الحرب في قطاع غزة فحسب. فقد أطلق مسودة وثيقة لمجلس السلام، بدت ملامحها انعكاساً لصيغة مفتوحة تسعى إلى معالجة عدد من النزاعات الدولية. وتحدّث المشروع الأمريكي عن مرحلة تاريخية جديدة في العمل متعدد الأطراف، يقوم فيها السلام المستدام على صيغة عملية تتجاوز إخفاقات المؤسسات التقليدية، وتُمكّن المجتمعات من امتلاك مستقبلها، على أن تقوم الشركات بدور في تحقيق النتائج وتقاسم الأعباء والالتزامات.
وفق المقترح الأمريكي، يقدّم مجلس السلام تصوراً للخروج من دائرة المقاربات التقليدية للسلام، التي أفرزت أزمات مزمنة أسهمت في إضعاف قدرات المجتمعات، ما يستدعي إنشاء هيئة دولية مرنة وأكثر فاعلية. ويذهب المقترح إلى إنشاء مظلة دولية تضم الدول الراغبة في اتخاذ خطوات عملية نحو الأمن الجماعي القائم على الحكم الرشيد.
وكمنظمة دولية، يعمل مجلس السلام على تحقيق جملة من الأهداف، من بينها تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد وسيادة القانون، وإرساء سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها. وعلى أرضية من القانون الدولي، يضطلع المجلس بوظيفته الأساسية، مستعيداً الأسس الفكرية التي قامت عليها الأمم المتحدة، ليكون تجمعاً للدول المحبة للسلام، ضمن إطار مرن يسمح بتعديل النظام الدولي أو مراجعته.
ووفق صيغة التمثيل المقترحة على المستوى الرئاسي، يُفترض أن يكون مجلس السلام آلية تنفيذية لدعم عمليات السلام، مع مراعاة المصالح الوطنية للدول الأعضاء واحترام سيادتها. ورغم مستوى التمثيل الرفيع، لا توضح مسودة الميثاق الصلاحيات المتبادلة بين الأعضاء، ولا آليات إدارة الشؤون المالية، لكنها تمنح رئيس المجلس (الرئيس الأمريكي) صلاحيات واسعة، من بينها تمثيل المجلس والتعبير عن قراراته. كما توضح آلية التصويت المقترحة الدور الواسع لرئيس المجلس في ترجيح كفة التصويت، والتأثير على مواقف الأعضاء، وتحديد أماكن الاجتماعات، والموافقة على ضم منظمات التكامل الإقليمي، إضافة إلى تمتعه بسلطة إنشاء الكيانات الفرعية.
تعكس هذه الصيغة تطلع الولايات المتحدة إلى الإمساك بزمام المرحلة المقبلة، بما يشمل إعادة الإعمار، وفتح المعابر، ونشر «قوات استقرار»، إلى جانب مهام أخرى لمجلس السلام تتعلق بالأمنين العالمي والإقليمي. وفي هذا السياق، دارت التطلعات نحو تشكيل مجلس واسع يضم دولاً أساسية، هي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وتركيا، ومصر، وقطر، والأردن، والإمارات، وباكستان، من بين نحو 60 دولة وُجّهت إليها الدعوة للانضمام إلى مجلس السلام.
من الناحية الهيكلية، يمثل مجلس السلام المستوى الأعلى للمجلس التنفيذي، حيث يختار الرئيس أعضاء المجلس التنفيذي لمدة سنتين، تكون مهمتهم تنفيذ مهام مجلس السلام. ورغم خلو مسودة الميثاق من أي إشارة مباشرة إلى غزة أو القضية الفلسطينية، فإن البيانات الأمريكية تقدّم رؤية الولايات المتحدة للسلام. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، الصادرة في 16 يناير 2026، والتي أقرّت ودعمت تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة (NCAG)، المعنية بالشؤون المدنية وإعادة الإعمار. وقد جاءت هذه الخطوة بعد يوم واحد من إقرارها في القاهرة، في إطار متضامن مع الوسطاء من الدول الإسلامية، وبما يراعي قرار مجلس الأمن الذي منح مصر، إلى جانب تركيا وقطر، دوراً أساسياً في تشكيل المؤسسات الانتقالية والمشاركة في مجلس السلام.
ولوضع مجلس السلام على مسار التطبيـق العملي، اقترح ترامب تشكيل المجلس التنفيذي المستدير، استناداً إلى الخبرات الدبلوماسية والتنموية، والبنية التحتية، والاستراتيجية الاقتصادية. ولهذا الغرض، جرى اختيار كل من ماركو روبيو، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل، للقيام بمهمة إدارة عملية الاستقرار في غزة.
وللمساعدة في هذا الإطار، شُكّلت هيئة أخرى لدعم اللجنة التنفيذية لقطاع غزة، بهدف تطوير السلام، وتعزيز الحوكمة الفعالة، وتحسين الخدمات، والأمن، والشفافية. وفي هذا السياق، جرى اختيار ستيف ويتكوف، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، وحسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.
المجلس والأمم المتحدة
ومع تماثل بعض وظائف مجلس السلام مع مهام مجلس الأمن، أُثيرت نقاشات حول الغايات النهائية للسياسة الأمريكية، وما إذا كانت تتجه نحو إيجاد بدائل عن الأمم المتحدة. ويمكن هنا الإشارة إلى اختلافات جوهرية، إذ بينما قامت المناقشات التحضيرية للأمم المتحدة قبل عام 1945 على أساس الدول المستقلة، تقوم عضوية مجلس السلام على مقترح أمريكي بتوجيه الدعوة لعدد من الدول وفق معايير غير واضحة. فقد شملت الدعوات دولاً كبرى وأخرى مؤثرة إقليمياً، ما يفتح المجال أمام وضع تفضيلي قائم على نوع العضوية (دائمة أو مؤقتة) وأسبقية الانضمام، بحيث يصبح حجم وعدد الدول عاملاً مؤثراً في السياسة العالمية.
وبحسب تعريفه الحالي، فإن مجلس السلام المطروح هو تجمع دولي يُعنى بحل الصراعات وإقرار السلام، ولا تبدو عليه ملامح السعي ليكون بديلاً عن الأمم المتحدة، خصوصاً لاعتماده اللغة الإنجليزية لغة رسمية وحيدة، متجاوزاً الصينية، والفرنسية، والعربية، والإسبانية، والروسية، بما يحمل في طياته أشكالاً جديدة من الهيمنة، وهي صيغة لا تنسجم مع تعددية القوى الدولية ولا مع التنوع اللغوي العالمي.
العضوية المرحلية
في 22 يناير، أعلن البيت الأبيض قائمة مؤقتة بالدول المشاركة، توزعت على خمس دول آسيوية، وثلاث دول أوروبية، إضافة إلى الأرجنتين، والمجموعة الممثلة لمنظمة التعاون الإسلامي، بإجمالي 22 دولة. وكان لافتاً الانضمام الجماعي للمجموعة الإسلامية بوصفها كتلة واحدة، وهو ما تجلّى في البيان المشترك الصادر في 21 يناير 2026، والموقّع من دول: مصر، والسعودية، وتركيا، وقطر، والأردن، وباكستان، وإندونيسيا، والإمارات العربية المتحدة.
وتُعد الصيغة الحالية لمجلس السلام ترجمة لمسار التعاطي مع مبادرة ترامب، حيث بات الثقل الأساسي قائماً بين الولايات المتحدة والمجموعة الإسلامية، وهما الطرفان اللذان اضطلعا بدور رئيسي في وقف إطلاق النار وإنجاز اتفاق شرم الشيخ.
وبناءً على هذا الواقع، تشكّل المجموعة الإسلامية عاملاً مهماً في ربط مجلس السلام باستحقاقات قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي نص على تشكيل مجلس السلام برئاسة الرئيس ترامب وعضوية 25 من رؤساء دول العالم. وتقوم هذه المجموعة على أهمية تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة في حماية الاستقرار في الشرق الأوسط، وتثبيت وقف إطلاق النار في الأراضي الفلسطينية، وضمان انسحاب إسرائيل من غزة، وتحقيق التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وفي ضوء هذه التطورات، تتراجع إمكانية تحرك مجلس السلام بعيداً عن إطار الأمم المتحدة. ورغم تمتعه بهامش من حرية الحركة في ما يتعلق بوقف الحرب في قطاع غزة، فإنه، وفقاً لتوازنات القوى الفاعلة داخله، قد يتحول إلى مظلة لتهدئة الصراع في الشرق الأوسط، وربما إلى فاعل دولي معني بقضايا السلام خلال العامين القادمين.
