
الإطار الثماني العربي الإسلامي وتأثيره على وقف الحرب في غزة
مع اندلاع العدوان على غزة، اتجهت منظمة التعاون والجامعة العربية للانخراط الجماعي لوقف الحرب. في البداية تشكلت اللجنة السباعية ثم تحولت للثمانية بعد انضمام الإمارات العربية، ليمثل هذا الجانب تطوراً مهماً في بناء الإطار الإسلامي ي التعامل على القضية الفلسطينية.
من هذه الوجهة، يمثل الإطار الذي يضم ثماني دول عربية وإسلامية (السعودية، مصر تركيا، قطر، الأردن، إندونيسيا، باكستان والإمارات) واحد من اهم منجزات او للدقة الجزء الملان بكوب حرب غزة الاخيرة وهو يعبر عن تجاوب مباشر وصريح مع المطلب الفلسطيني الدائم بانخراط عربي واسلامي اوسع بالقضية الفلسطينية مع الانتباه الى حضور سياسي وعسكري متجذر لبعض الدول الثماني بالقضية الفلسطينية ثم سياسيا وانسانيا بارزا للبعض الاخر.
على الوجه الآخر، تقف القوى والفصائل الفلسطينية أمام مسؤولية التوافق الجدي وانهاء الانقسام وتقديم رؤى ومواقف موحدة بالإمكان تبنيها عربيا واسلاميا والدفاع عنها بل ونيل التأييد والدعم لها من ادارة ترامب والمجتمع الدولي.
النشأة والنواة الأولى للإطار الثماني
وضعت النواة الاولى للإطار الثماني في قمة الرياض العربية الاسلامية التي عقدت بالعاصمة السعودية الرياض –تشرين ثاني نوفمبر 2023-بعد شهر من الحرب تقريبا وقررت تشكيل لجنة عربية إسلامية من السعودية، مصر، تركيا، قطر، الأردن إندونيسيا والسلطة الفلسطينية، للحديث باسم الفلسطينيين في الأمم المتحدة ويارة العواصم العالمية الكبرى ذات التأثير للضغط مبكرا لوقف الحرب كما قررت الانخراط في جهود تقديم المساعدات الانسانية والاغاثية لغزة وأهلها وهو ما يفسر وجود تلك الدول “أعضاء اللجنة” في راس قائمة تقديم المساعدات الإنسانية لغزة اثناء الحرب وبعدها.
ومع الوقت، انخرطت الدول العربية والاسلامية في مباحثات ماراثونية لوقف حرب غزة وترتيبات وقف إطلاق النار وقبل تشكيل الإطار الثماني رسميا في أيلول سبتمبر 2025 كان ما يشبه توزيع الأدوار بانخراط مصر وقطر وتركيا وبدرجة اقل الاردن في جهود وقف النار وترتيبات اليوم التالي بينما اخذت السعودية على عاتقها العمل المشترك مع فرنسا داخل الأمم المتحدة في مسار الأفق والحل السياسي فيما بات يعرف بمبادرة حل الدولتين.
مع السيرورة والتطور الطبيعي والتواص المستمر بين أعضاء اللجنة العربية الاسلامية الاولى التي اقتصرت مع الوقت على الدول العربية الفاعلة بالشأن الفلسطيني سياسيا واغاثيا واعلاميا –السعودية وقطر ومصر والاردن بالإضافة لتركيا وإندونيسيا، ثم دخلت دول إسلامية فاعلة أخرى مثل باكستان والإمارات، حيث ظهر الإطار الثماني بشكله الحالي لأول مرة في لقاء زعماء وممثلي وزراء خارجية ثماني دول عربية واسلامية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك –أيلول سبتمبر-2025 وجرى التوافق حينها على الخطوط العريضة لخطة ترامب لوقف اطلاق النار ويمكن التذكير بركائزها الاساسية على النحو التالي :
-وقف الحرب والابادة والمقتلة والمجاعة وإدخال المساعدات الإنسانية مقابل صفقة تبادل تضمن إطلاق كل الاسرى الاسرائيليين الاحياء دفعة واحدة ثم الأموات بعد ذلك لصعوبات لوجستية واجرائية بعد ذلك وهو ما حدث فعلا خلال الايام الاولى لوقف إطلاق النار.
-وقف والتهجير والضم والاستيطان في قطاع غزة كما رفض تقليص حدوده المتعارف عليها دوليا مع نص واضح بانسحاب إسرائيلي كامل مع غزة حتى مع الاقرار بالمنطقة العازلة كحيز أمني مؤقت لكن مع عدم بقاء أي جندي إسرائيلي بغزة.
-انخراط عربي اسلامي في المراحل التالية لتنفيذ الخطة بما في ذلك التعافي المبكر والايواء العاجل والمشاركة في المؤسسات ذات الصلة مثل مجلس السلام العالمي والمكتب التنفيذي المنبثق عنه وقوة الاستقرار الدولية ودعم وتقوية الهيئات الفلسطينية ذات الصلة اللجنة الوطنية لإدارة غزة والشرطة المحلية.
الدعم العربي والاسلامي وبالطبع الدولي لحضور فلسطيني اكبر في إدارة غزة وجهود ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي –اصلاح السلطة وانهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات-وصولا الى الافق والمسار السياسي نحو الدولة وتقرير المصير.
تمثل هذه المطالب خريطة طريق عربية إسلامية واضحة اقله من الوسطاء الثلاثة-مصر وتركيا وقطر- مدعومة سعوديا واردنيا بشكل واضح لترتيب البيت الفلسطيني ودعم اللجنة الإدارية واصلاح السلطة خلال تفويض الأممي لتنفيذ الاتفاق –عامين-وتشكيل حكومة توافق وطني واسعة واجراء انتخابات بعد انتهاء مدة عامين الانتقالية للوصول الى المرحلة الثالثة الاستراتيجية وشبه المنسية من الاتفاق خاصة مع الانشغال والاهتمام والتركيز على المرحلتين الاولى والثانية-على أهميتهما- والتي وضعت اساسا بضغوط عربية وإسلامية.
بعد لقاء نيويورك-نهاية أيلول سبتمبر- تبلورت معالم الإطار الثماني بوضوح عبر انخراط الدول الثماني في مساعي وحوارات وساطات وقف إطلاق النار وانهاء الحرب ثم الظهور الكبير لها في قمة شرم الشيخ –أوائل تشرين اول أكتوبر- عبر حضور رفيع المستوى لقادة وممثلي الدول الثمانية وتوقيع زعماء ثلاثة منها على الخطة والاتفاق كضامنين ووسطاء.
مأسسة الإطار الثماني العربي الاسلامي
ولعلاقاتها الوثيقة ومصالحها الواسعة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وادارته ، بات بمقدور هذا الإطار الثماني التأثير الإيجابي على مجريات الحرب ثم ما بعدها او ما يعرف باليوم التالي لها وتحجيم الغطرسة والعلو والتمدد الإسرائيلي عبر التدخل والتأثير ايجابا على خطة ترامب التي انهت الحرب والابادة والمقتلة والمجاعة ومنعت التهجير والضم والاستيطان تحضيرا لليوم التالي بتفاصيله المعقدة والمتداخلة مع مواصلة الإطار الثماني طريق المأسسة واستمرار المواكبة لتطورات ومستجدات في غزة وفلسطين.
وبعد توقيع خطة ترامب- اتفاق وقف النار في تشرين اول/ أكتوبر الماضي وشرعنته من مجلس الامن الدولي وبأغلبية ساحقة في تشرين ثاني نوفمبر شهدنا مع الوقت خاصة بوجود ثلاث دول منها كوسطاء وضامنين للاتفاق ما تشبه المأسسة او للدقة نواة وبداية سيرورة لمأسسة للإطار الثماني مع مواكبة المستجدات المتلاحقة وتكريس الحضور عبر اصدار بيانات ومواقف جماعية في للتأكيد على الانخراط بغزة والقضية الفلسطينية بشكل عام.
وعليه تبني الإطار الثماني مواقف واضحة من المستجدات الاخيرة عبر إصدار ثلاثة بيانات خلال اقل من شهر واحد؛ البيان الاول رفض التهجير 5 كانون أول/ ديسمبر 2025، حيث تصدى لنوايا اسرائيل لفتح معبر رفح في اتجاه واحد فقط واحد للخارج، واعتبرها التفافاً لتنفيذ سياسة التهجير والترانسفير القسري مع السعي لإظهاره بصورة طوعية وتنقل عادى للمواطنين من اجل العلاج والعمل والتعلم وهو حق طبيعي بالعودة تكفله القوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة.
كان سياق البيان دعماً عربياً اسلامياً قوياً للموقف المصري الرافض للتساوق مع الضغوط المصرية لفتح المعبر باتجاه واحد فقط بهذا من اجل التهجير وبالمقابل التأكيد على ان اتفاق وقف النار نص صراحة على فتح المعبر باتجاهين ومنذ المرحلة الأولى للاتفاق تجسدا للحق الطبيعي للغزيين في السفر والعودة الى الوطن دون ضغوط او عراقيل.
كما تعلق البيان الثاني برفض الممارسات الاسرائيلية ضد وكالة الاونروا 12 كانون أول ديسمبر 2025، حيث رفض السياسة الإسرائيلية ضد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين “الاونروا” والتقييد على نشاطاتها وعملها مع الإشادة بدورها الإنساني المهم خلال مرحلة الحرب والتأكيد على مواصلة هذا الدور الحيوي والاستراتيجي خلال عمليات الاستشفاء والتعافي المبكر واعادة الاعمار حتى التوصل الى حل عادل للقضية الفلسطينية بشكل عام قضية اللاجئين بشكل خاصة ان المنظمة الاممية كانت شاهد على النكبة الأولى 1948 ولابد وان تستمر في دورها ولاعب مركزي ومهم وشاهد على نيل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف في السيادة والاستقلال وتقرير المصير .
وفي ذات الاتجاه، تناول البيان الثالث الاوضاع الانسانية بغزة 2 كانون ثاني/ يناير 2026، حيث ركز على الأوضاع الانسانية بغزة مع بداية فصل الشتاء والمشاهد الصادمة الاتية من هناك وجاء البيان اشبه بصرخة لتنصل اسرائيل وتهربها من تنفيذ التزامات واستحقاقات المرحلة الأولى المتعلقة بإدخال مستلزمات التعافي المبكر والايواء العاجل خيم وبيوت جاهزة واصلاح واعادة تأهيل البنى التحتية وتمهيدا للشروع بإعادة الاعمار.
ويمكن القول، أنه من الواضح تماما امتلاك الإطار الثماني العربي الإسلامي رؤية عامة لكيفية تنفيذ خطة ترامب و اتفاق وقف اطلاق النار بنزاهة وشفافية مع حساسية تجاه ممارسة أي شكل من اشكال الوصاية على الفلسطينيين والعمل لضمان المصالح والحقوق الفلسطينية وفق المواثيق والقرارات الدولية و الاستعداد للانخراط الجدي في مجلس السلام العالمي بمؤسساته المختلفة خاصة المكتب التنفيذي الذى يمثل فيه الإطار على مستوى وزاري رفيع تحديدا الوسطاء الثلاثة -تركيا وقطر ومصر- وهو نجح نسبيا في تحجيم رئيس الوزراء البريطاني السابق تونى بلير واستبداله بالدبلوماسي البلغاري نيكولاي ميلادينوف المقبول فلسطينيا عربيا اسلاميا ودوليا.
وفي ذات الوقت يشير للاستعداد لمواصلة العمل مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة-اصدر الوسطاء الثلاثة بيان دعم صريح لها- لإنجاز اهدافها المركزية تحديدا فيما يتعلق بالتعافي المبكر وإعادة الاعمار والتنمية الاقتصادية والبشرية واعتبارها أي اللجنة جسرا نحو انهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وشق المسا والافق السياسي نحو الدولة وتقرير المصير.
ما هو المطلوب فلسطينيا؟
إزاء هذه التطورات الإيجابية، يكون على عاتق الفلسطينيين بذل جهد متعدد المستويات داخليا وخارجيا لملاقاة هذا الحضور البارز للإطار الثماني العربي الاسلامي والاستفادة من ثقله وقدارته الكبيرة لصالح حقوقنا ومصالحنا الوطنية.
ومع قبول الاطراف الفلسطينية كافة لخطة ترامب، على علاتها، واتفاق وقف النار المنبثق عنها والذي جرت شرعنته عبر قرار رسمي من مجلس الامن وبأغلبية ساحقة، فإن هناك حاجة للعمل على تطبيقه بشكل عاجل ونزيه لتحقيق الاهداف الفلسطينية الواضحة في التعافي واعادة والاعمار وصولا الى الأفق والمسار السياسي نحو الدولة وتقرير المصير كي لا تضيع تضحيات الشعب الفلسطيني الهائلة التي قدمها خلال الحرب –وقرن من الصراع مع الاحتلال .
وبغض النظرعن التحفظات على تركيبة اللجنة الوطنية لإدارة غزة فقد أصبحت حقيقة واقعة ولابد من نزع الذرائع الاسرائيلية لإفشالها ودعمها من اجل إنجاحها وإنجاز اجندتها الوطنية التي تنال اجماعا فلسطينيا وعربيا ودوليا وصولا الى انهاء التفويض الممنوح لها-سنتين- ولمجلس السلام والمكاتب والهيئات الاجنبية المنبثقة عنه كما تهيئة البيئة المناسبة امام انهاء الانقسام الساسي والجغرافي وتوحيد المؤسسات وعودة السلطة الوطنية الجامعة لتولى مسؤولياتها وصلاحياتها كاملة في غزة والضفة الغربية.
ولتحقيق هذه الأهداف، هناك حاجة لإجراء اصلاحات جذرية تتعلق بتشكيل حكومة توافق وطني جامعة لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات واجراء الانتخابيات العامة كي يختار الشعب الفلسطيني القيادة الجديرة والمناسبة بالتوازي مع إعادة بناء جدية ديموقراطية شفافة ونزيهة وبالطبع وطنية لمنظمة التحرير باعتبارها المرجعية العليا للشعب الفلسطيني في أماكن تواجده المختلفة بالداخل والشتات.
خلاصة
تضعنا هذه التطورات أمام استثمار ظهور الإطار الثماني وتأثيره الواضح في معادلة القضية الفلسطينية، وتمثل الاستجابة الحالية لخطة ترامب وما تبعها من مؤتمر شرم الشيخ واتفاق وقف إطلاق إمكانية المضي في طريق استعادة الحقوق الفلسطينية والخروج من الاحتلال، فهذا الإطار يوفر ضمانة للمصالح والحقوق الفلسطينية وفق المواثيق والقرارات الدولية. وهنا، تبدو أهمية الاستعداد للانخراط في مجلس السلام بمؤسساته المختلفة خاصة المكتب التنفيذي الذي يمثل فيه الإطار على مستوى وزاري رفيع تحديدا الوسطاء الثلاثة -تركيا وقطر ومصر- وهو نجح نسبيا في تحجيم رئيس الوزراء البريطاني السابق تونى بلير واستبداله بالدبلوماسي البلغاري نيكولاي ميلادينوف المقبول فلسطينيا عربيا اسلاميا ودوليا.
ومع استعداد الإطار الثماني لمواصلة العمل مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة، اصدر الوسطاء الثلاثة بيان دعم صريح لها- لإنجاز اهدافها المركزية تحديدا فيما يتعلق بالتعافي المبكر وإعادة الاعمار والتنمية الاقتصادية والبشرية واعتبارها أي اللجنة جسرا نحو انهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وشق المسا والافق السياسي نحو الدولة وتقرير المصير وبالضرورة نحتاج الى التلاقي الفلسطيني مع هذا الحضور العربي والإسلامي بمسؤولية وجدية وإخلاص.
