
تدمير الأرض كاستراتيجية حرب: قراءة سياسية–اقتصادية في استهداف القطاع الزراعي في غزة (2023-2025)
مقدمة:
شكل القطاع الزراعي، على امتداد عقود، أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد في قطاع غزة، إذ اعتمدت الغالبية الساحقة من السكان على الإنتاج المحلي من الخضروات والفواكه بوصفه مصدرا أساسيا للغذاء والدخل، وأداة مركزية للصمود في مواجهة الاحتلال والحصار. ورغم محدودية الموارد، وضيق الرقعة الزراعية، نجح القطاع، حتى في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض منذ العام 2006، في الحفاظ على قدر كافٍ من قدرته الإنتاجية، وتوفير نسبة مهمة من احتياجاته الغذائية، لتتحول الزراعة إلى خط الدفاع الأول في معركة البقاء.
غير أن هذا الواقع مثل معضلة استراتيجية لدولة الاحتلال، التي رأت في الاكتفاء الذاتي الزراعي في غزة تهديدا مزدوجا: اقتصاديا؛ كونه يقلل من تبعية القطاع للاقتصاد الإسرائيلي، وسياسيا؛ لأنه يعزز قدرة السكان على الصمود والبقاء في أرضهم. ومنذ ذلك الحين، وضعت الزراعة الفلسطينية في غزة في صلب سياسات الاستهداف الإسرائيلية، التي هدفت إلى إنهاك هذا القطاع وتفكيك مقوماته؛ بدءا من إغلاق المعابر أمام الصادرات الزراعية، وحرمان المزارعين من الوصول إلى الأسواق الخارجية، مرورا بمنع إدخال البذور والمبيدات والمستلزمات الزراعية، وصولا إلى الاستنزاف المفرط للخزان الجوفي وتجفيف مصادر المياه، لا سيما في المناطق الحدودية الشرقية.
وعليه، لا يمكن فهم ما جرى ويجري للقطاع الزراعي في غزة باعتباره نتيجة عرضية للحروب المتكررة، بل كجزء من سياسة ممنهجة تستهدف البيئة والاقتصاد والمجتمع في آن واحد، وتسعى إلى تقويض أسس الحياة في القطاع. من هنا تأتي هذه الورقة لتوثيق حجم الكارثة الزراعية بالأرقام والوقائع، وتحليل آثارها البيئية والغذائية والاقتصادية، وتقديم توصيات عاجلة كإطار عمل يمكن الانطلاق منه لإنقاذ واحدا من أهم القطاعات الإنتاجية في غزة.
أولا: العدوان على القطاع الزراعي
حتى اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر 2000، اقتصر النمط الإسرائيلي في استهداف القطاع الزراعي على إجراءات ذات طابع “مدني” في ظاهرها، تمثلت في إغلاق المعابر، وفرض قيود على استيراد البذور، واشتراطات فنية مشددة على تصدير بعض المنتجات الزراعية، بذريعة مطابقتها للمعايير الإسرائيلية، وغالبا ما كانت تستخدم هذه الاشتراطات كأداة لتعطيل التصدير ورفضه.
إلا أن هذه السياسات سرعان ما اتخذت طابعا عسكريا مباشرا، لا سيما منذ عام 2006، عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة العاشرة برئاسة إسماعيل هنية. فقد فرضت دولة الاحتلال حصارا شاملا على قطاع غزة، وترافق ذلك مع سلسلة من الإجراءات العسكرية الممنهجة لتدمير البنية الزراعية، كان من أبرزها رش مواد كيميائية ومبيدات قاتلة على طول الشريط الحدودي الشرقي، ما أدى إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة، إلى جانب عمليات تجريف واسعة للمزارع والبيوت البلاستيكية، وتحويل الحقول المنتجة إلى أراضٍ قاحلة غير صالحة للزراعة.
سرعان ما انعكست هذه السياسات بصورة مباشرة على مؤشرات القطاع الزراعي، إذ تراجعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 37% في سبعينيات القرن الماضي، إلى 13% عام 2000، ثم إلى أقل من 3% بحلول عام 2022. كما انخفض عدد العاملين من نحو 22 ألف عامل عام 2013، إلى أقل من 19 ألفا في عام 2022، في حين شهد قطاع الصيد انهيارا أكثر حدة، بتراجع عدد الصيادين من نحو 12 ألفا إلى أقل من 4 آلاف. وترافق ذلك مع خسائر فادحة تكبدها المزارعون، قدرت بمئات الملايين من الدولارات، نتيجة القيود على التصدير، ومنع إدخال المدخلات الزراعية، وتشديد الإجراءات الإسرائيلية.
ثانيا: القطاع الزراعي خلال “طوفان الأقصى”
مع اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقل استهداف الزراعة إلى مستوى غير مسبوق من الشمولية والتدمير. فقد عمد جيش الاحتلال إلى تدمير ما تبقى من الأراضي الزراعية شرقا وغربا، عبر قصف مكثف ومتكرر لمناطق الإنتاج الرئيسة في بيت حانون وبيت لاهيا شمالا، وجحر الديك ودير البلح وسطا، وخزاعة والفخاري جنوبا، وهي مناطق كانت تعرف تاريخيا بأنها “سلة غزة الغذائية”.
ووفقا لأحدث التقييمات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات) الصادر في آب/ أغسطس 2025، بلغت نسبة الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية نحو 98.5%، فيما لم يتبق سوى أقل من 232 هكتارا صالحة للزراعة. ومع ذلك، فإن نحو 12.4% من هذه المساحة باتت غير قابلة للوصول، لوقوعها ضمن مناطق عسكرية خلف “الخط الأصفر” الذي أُقرّ في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
ولم يقتصر الدمار على المحاصيل أو المواسم الزراعية، بل طال الأرض نفسها، إذ أدت عمليات القصف المتكرر واستخدام الجرافات الثقيلة إلى تقليب التربة وتدمير بنيتها الحيوية، ما جعلها غير صالحة للزراعة لسنوات طويلة. كما أسهم تلوثها بمخلفات القذائف والمواد السامة في تراجع خصوبتها وارتفاع مستويات الملوحة فيها، لتتحول الأراضي الزراعية من مصدر للحياة إلى أراضٍ “ميتة” تتطلب تدخلات هندسية وزراعية مكلفة لإعادة تأهيلها.
أما على صعيد البنية التحتية الزراعية، فقد تجاوزت نسبة الأضرار التي لحقت بالآبار الزراعية 82.8%، فيما بلغت نسبة تدمير الدفيئات نحو 71%، مع تضرر شبه كامل لمحافظتي رفح وبيت حانون نتيجة التدمير الواسع الذي نفذه الاحتلال.
ثالثا: قراءة اقتصادية للأضرار الزراعية
قدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) القيمة الإجمالية للأضرار والخسائر التي تكبدها القطاع الزراعي في غزة بأكثر من ملياري دولار، منها نحو 835 مليون دولار أضرار مباشرة، و1.3 مليار دولار خسائر غير مباشرة، في حين قُدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 4.2 مليار دولار.
ويظهر التقرير ذاته أن القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي في عام 2022 بلغت نحو 575 مليون دولار، توزعت بنسبة 54% للإنتاج النباتي، و46% للإنتاج الحيواني وصيد الأسماك. كما بلغ إجمالي الإنتاج الزراعي نحو 1400 طن يوميا، كان السوق المحلي يستهلك منها نحو 1100 طن، فيما يُصدر قرابة 300 طن يوميا إلى أسواق الضفة الغربية والداخل المحتل.
وقد حقق قطاع غزة اكتفاء ذاتيا في عدد من الأصناف الزراعية، مع تصدير الفائض منها، أبرزها: البطيخ، الحمضيات، الفراولة، الطماطم، الخيار، الفلفل الحلو والحار، وهو ما يبرز حجم الخسارة التي ألحقها التدمير الممنهج بالقدرة الإنتاجية المحلية.
رابعا: الواقع الزراعي قبل حرب الإبادة
قبل حرب الإبادة الأخيرة، بلغت مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة نحو 117 كيلومترا مربعا، أي ما يقارب ثلث المساحة الإجمالية للقطاع البالغة 365 كيلومترا مربعا. وتوزعت هذه الأراضي على طول الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية، إضافة إلى منطقة المواصي غرب رفح وخان يونس، ومعسكرات وسط القطاع وجنوب محافظة غزة.
وقد غطت هذه الأراضي نحو 44% من الاحتياجات الغذائية للسكان، وأسهمت الصادرات الزراعية بنحو نصف الصادرات السلعية للقطاع، بقيمة سنوية تقارب 30 مليون دولار، كان أبرزها الطماطم والحمضيات.
خامسا: إعادة تشكيل الجغرافيا الزراعية
في أعقاب تدمير الأرض وتجفيف مواردها، سعى الاحتلال إلى فرض واقع ميداني جديد عبر ترسيم ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو منطقة عازلة تمتد على طول الحدود الشرقية والشمالية للقطاع بعمق يتراوح بين (1 -3.5) كيلومترات داخل غزة، تحظر فيها أي أنشطة مدنية أو زراعية. وبهذا الإجراء، صودرت فعليا آلاف الدونمات من أخصب الأراضي الزراعية، خاصة في مناطق بيت حانون وبيت لاهيا وجحر الديك وخان يونس ورفح، وتحولت إلى مناطق عسكرية مغلقة.
ورغم تبرير الاحتلال هذا الإجراء بكونه مؤقتا ومرتبطا بالوضع الأمني، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه التدابير غالبا ما تتحول إلى واقع دائم. وبذلك، لا يقتصر التدمير على الأرض، بل يمتد إلى سلبها من أصحابها ومنعهم من العودة إليها، بما يعيد رسم الخارطة الزراعية لغزة بما يخدم أهداف الاحتلال في تفريغ المناطق الحدودية، وخلق بيئة طاردة للسكان، ودفعهم نحو ما يُسمى “الهجرة الطوعية”.
سادسا: أولويات الاستجابة وخيارات التعافي
مع الدخول في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، تبرز مسؤولية الوسطاء، ولا سيما الإدارة الأمريكية، بوصفها الجهة القادرة على ممارسة ضغط فعلي على حكومة الاحتلال، لضمان الالتزام بخطوط الانسحاب المتفق عليها في اتفاق شرم الشيخ، والعودة إلى الخط الشرقي للحدود.
كما أن أي تعاف حقيقي للقطاع الزراعي، يجب أن يظل مرهونا بإنهاء سياسة الحصار، ووقف الاعتداءات المتكررة، بما يسمح بتوفير بيئة آمنة ومستقرة تمكن المزارعين والصيادين من العمل والإنتاج، بما يعزز أسس الأمن الغذائي والسيادة على الموارد الطبيعية.
وتبرز الحاجة إلى جملة من الإجراءات والسياسات الواجب تنفيذها، من بينها: تنفيذ خطة شاملة لتسوية الأراضي المجرفة وإعادة تأهيلها من جديد، ورفع القيود المفروضة على إدخال مدخلات الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة ومبيدات، وضمان تدفقها بشكل منتظم يتلاءم مع المواسم الزراعية. كما تؤكد ضرورة تعويض المزارعين عن الخسائر التي لحقت بهم جراء التدمير الممنهج للأراضي والبنية التحتية.
كما يستدعي الأمر تنفيذ برامج عاجلة لإعادة تأهيل شبكات الري والآبار المتضررة، وتوفير مصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها، سواء عبر إدخال الوقود أو دعم مشاريع الطاقة البديلة، بما يضمن استدامة الإنتاج وتقليل كلفته.
أما قطاع الثروة الحيوانية، فينبغي التركيز على ضرورة إدخال الأعلاف بكميات كافية وأسعار مدعومة، وتوفير اللقاحات والأدوية البيطرية، وإعادة تأهيل المزارع والمنشآت المدمرة، إلى جانب دعم صغار المربين ببرامج تعويض وتمويل ميسر.
وفيما يتعلق بقطاع الصيد، فتقتضي الضرورة بتوسيع مساحة الصيد المسموح بها وفقا للواقع الذي كان معمولا به قبل العام 2000، وضمان حرية الصيادين في ممارسة عملهم دون تهديد، وإدخال مستلزمات الصيد، وإعادة تأهيل الموانئ ومرافئ الصيد، ودعم مشاريع الاستزراع السمكي كخيار استراتيجي لتعزيز الإنتاج المحلي.
ولإنجاح هذه المساعي يستدعي ذلك، إشراك المؤسسات الزراعية المحلية والاتحادات والنقابات المتخصصة في إعداد وتنفيذ خطط التعافي، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية لضمان توجيه الدعم بشكل عادل وشفاف، بما يعزز صمود المزارعين والصيادين.
ختاما، لا يمكن اعتبار تدمير الأراضي الزراعية وسلبها في قطاع غزة نتيجة جانبية للحرب، بل هو سياسة إسرائيلية متعمدة تستهدف ضرب مقومات الحياة، وتجريد السكان من قدرتهم على إنتاج غذائهم بأنفسهم. فالقصف والتجريف ومنع الوصول إلى الأرض ليست إجراءات منفصلة، بل حلقات متكاملة في سياسة “التجويع الممنهج”، التي تهدف إلى كسر إرادة الفلسطينيين ودفعهم نحو النزوح أو الهجرة خارج القطاع.
