مقالاتمقالات رأي

حماس، القرار المستقل والتحالفات

انبثقت حركة (حماس) عن تيار وجماعة الإخوان المسلمين، ولكنها أكّدت في وثيقتها السياسية استقلاليّتها السياسية عنها، مع تأكيدها أنّها حركة مقاومة وطنية فلسطينية خالصة تحمل الفكر الإسلامي الذي تدين به لحركة الإخوان المسلمين، وذلك كما ورد على لسان قادتها.

وقد تجاوزت (حماس) البند الوارد في ميثاقها الذي صدر في آب (أغسطس) 1988 من أنها “امتداد لحركة الإخوان المسلمين”، إلى تعريف نفسها بأنّها “حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني”. وذلك وفقاً لوثيقتها السياسية الصادرة في أيّار (مايو) 2017.

وبذلك تكون الحركة رسمت لنفسها خطّاً مستقلّاً عن الإخوان، ليس في المجال التنظيمي فقط، وإنما في المواقف السياسية، معزّزةً بذلك قرارها المستقلّ، ما أتاح لها حرية واسعة في مواقفها وعلاقاتها الفلسطينية والعربية والدولية.

وإذ أكّدت على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، فإنها لم تنسَ أن تؤكّد على “مسؤولية العرب والمسلمين وواجبهم ودورهم في تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني”.

استقلالية في الفضاء الوطني

وتمكّنت (حماس) من نسج علاقات مع الفصائل الفلسطينية على اختلاف انتماءاتها، على أساس أنها حركة وطنية فلسطينية مستقلّة، ولا تمنعها إيديولوجيتها الإسلامية من عقد التحالفات والشراكات. وجاء في وثيقتها السياسية أنها “تتمسك بإدارة علاقاتها الفلسطينية على قاعدة التعددية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار”.

كما اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كـ “إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكوّنات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية”.

وتحدّثت عن الانتخابات لبناء المؤسسات والمرجعيات الوطنية الفلسطينية، وكذلك عن إيمانها بالدولة المستقلّة، ولم تربط تحرير الأرض بالمحيط العربي والإسلامي.

ومن الواضح أن عدم اعتماد الحركة على أيّ دعم مالي من منظمة التحرير الفلسطينية، وعدم تقيّدها بمواقفها، فضلاً عن فكّ الارتباط التنظيمي بالإخوان المسلمين، أعطى للحركة مساحة وافرة من الاستقلالية في الساحة الفلسطينية. وهذا بالتالي مكّنها من اشتقاق برنامج وموقف وطني مستقل، خصوصاً فيما يتعلق بالتسوية السياسية واتفاق أوسلو الذي عارضته بشدّة.

غير أن دخول الانتخابات عام 2006، ثمّ التفرّد في حكم غزّة منذ 2007 واعتبار السلطة الفلسطينية في رام الله هذا الحكم خارجاً عنها، ووقف الدعم لموظفيه الحكوميين، أدّى إلى تحمّل (حماس) مسؤولية ساكنيه، وعبء إعادة إعماره، بعد أربع حروب مع الاحتلال حتى الآن.. كلّ هذا فرض عبئاً جديداً على (حماس)، اضطرّت فيه للاعتماد على المساعدات القطرية، ومجاملة القيادة المصرية رغم مشاركتها في حصار غزة، فضلاً عن الاضطرار للدخول في فترات هدنة طويلة مع الاحتلال، وفرض ذلك على الفصائل الأخرى وبضمنها حركة الجهاد، الأمر الذي أدخلها في احتكاكات معها في بعض الأحيان، وتركها تطلق الصواريخ على المحتلّ وحدها في حدثين منفصلين في 2014 و 2022، وذلك تحت مبرّر أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد السلطة الحاكمة، وأنه يحب عدم السماح لتنظيم محدّد بالاستفراد بالمواجهة وجرّ القطاع كلّه لدفع ثمنٍ كبير، خصوصاً بعد معركة سيف القدس عام 2021.

فضلاً عن ذلك، دخلت الحكومة بقيادة (حماس) في مواجهات مع تنظيمات جهادية أسفرت عن وقوع قتلى، كما اضطرّت للدخول في تعاون مع الإدارة المصرية لمنع الجهاديين من الانطلاق بعمليات تستهدف الجيش المصري على حدود غزة.

 وأدّت القرارات التي اتخذتها الحركة، وقسوة الظروف بعد الثورات المضادّة، إلى تنازل (حماس) عن جزء من استقلاليتها، مع التأكيد أن الاستقلالية المطلقة لأيّ كيان سياسي تكاد تكون مستحيلة. فانعكس جزء من ذلك على علاقاتها الوطنية، ووقوعها تحت دائرة الاتهام بالهيمنة والسيطرة، وبافتقاد الديمقراطية، فضلاً عن المواجهات مع الجهاديين، والخلافات مع حركة الجهاد الإسلامي.

وبلا شكّ، فإن مسؤوليات قيادة (حماس) ليست كمسؤوليات تنظيم. صحيح أن وجود الحركة في الحكومة فتح لها فرصاً كبيرة لبناء قوة عسكرية لا يستهان بها، والتسلّح بأسلحة نوعية جعلها تتمكّن من الدخول في الحرب كجيش نظامي يستفيد من حرب العصابات مع قوات الاحتلال، ولكنّه، في الوقت ذاته، أثفل كاهلها بالمسؤوليات، وجعلها تحت دائرة الانتقاد، لعدم تمكّنها من رعاية شؤون الفلسطينيين بالشكل الأفضل، بسبب قلة الموارد والحصار الشديد الذي فرضته إسرائيل ومصر ودول الثورات المضادّة عليها.

تحدّي استقلالية العلاقات

ورغم أن (حماس) أعلنت كما أسلفنا انفكاكها عن حركة الإخوان المسلمين، إلا أن ذلك لم يشكّل لها حماية من استهداف الثورة المضادّة للربيع العربي، ما أدّى للتأثير على شبكة علاقاتها العربية والإقليمية.

وقد أكّدت (حماس) في أدبيّاتها على استقلاليّة قرارها الوطني عن التدخلات الخارجية، وأشارت أنها ليست جزءاً من الخلافات العربية لأيٍّ من دوله، لذلك تنأى بنفسها عنها.

 ورفضت التدخل في شؤون الدول العربية الداخلية، حتى ولو كانت تشترك فكريّاً مع التيارات الإسلامية التي باتت مستهدفة من بعض الأنظمة العربية.

وفي الحقيقة، فإنّ الحركة تمكّنت من السير على خيط رفيع من التوازنات قبل الربيع العربي، فأقامت علاقات مع محور الاعتدال العربي (الأردن، مصر، السعودية)، رغم أنها التحمت مع ما سُمّي في ذلك الوقت محور الممانعة، المشكَّل أساساً من إيران وسوريا وانحازت له قطر.

وتقول الحركة إن الجمعَ بين متطلّبات القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب الفلسطيني، ومصلحةِ الأمَّة ونهضتها وأمنها، هو معيارُها في العلاقات، مجنّبةً بذلك نفسها الدخول في الصراعات في المنطقة العربية.

وحصلت الحركة في تلك الفترة على دعمٍ ماليّ رسمي من عدد من الدول العربية، وبضمنها السعودية وبعض الدول الخليجية، فضلاً عن الدعم الذي قدمته إيران ولا تزال تقدّمه عسكريّاً وماليّاً، ولكنّها كانت قادرة على الحفاظ على استقلالية عالية، بفضل تمويل نفسها من خلال الدعم الشعبي الواسع الذي حازت عليه، بسبب تقديمها نماذج مبهرة في التضحية والفداء، وفي مقاومة العدو وإيقاع الخسائر في صفوف مستوطنيه وقواته، بموجاتٍ متتالية من العمليات الاستشهادية والفدائية في الضفة الغربية، والحروب التي خاضها قطاع غزة في 2008 و 2012 ، فضلاً عن استشهاد عددٍ من قادتها باستهداف العدوّ لهم.

كما تمكّنت الحركة من إدارة شؤون القطاع وحدها استناداً إلى مساعدات خارجية متنوعة لم تكن لتؤثر على استقلالية قرارها السياسي إلى ما قبل الثورات المضادّة.

أما على الصعيد الدولي، فلم تتح للحركة فرصة نسج علاقات حقيقية مع الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إذ لا تزال شروط الرباعية الدولية للاعتراف بها حاكمة، وان كانت الاتصالات السرية لهذه المنظومة لم تنقطع معها.

ويسجَّل لها أنها رفضت مبادرة بلير لاستقلال قطاع غزة، مقابل إغراءات كثيرة مثل المطار والميناء والدعم المالي.

وها هي ذي تحاول الخروج من الحصار الغربي لها باللجوء للعلاقة مع روسيا، في خطوات لا تزال في بداياتها.

وعلى عكس (فتح) التي تسلّمت السلطة، والرضوخ لإملاءات إسرائيل والدول الغربية فيما خصّ عملية التسوية السياسية ومحاربة المقاومة، فإنّ (حماس) تمسّكت بمواقفها السياسية منذ نشأتها حتى الآن.

ما بعد الثورات المضادّة

ولئن تمكّنت (حماس) من الحفاظ على خيطٍ رفيع من التوازنات في علاقاتها العربية والإقليمية، وأقامت علاقات مع دول ترفض المقاومة وتؤيد الانخراط في مسار التسوية السياسية، ودول أخرى تدعم المقاومة وترفض مسار أوسلو السياسي، إلا أن التغيرات التي أحدثتها الثورات المضادّة أخلّت بهذه المعادلة.

وكان لذلك استتباعات ثقيلة على (حماس)، التي وجدت نفسها مضطرّة للانحياز أكثر إلى المحور الذي يدعمها ماليًّا وعسكرياً، مع ازدياد حاجاتها المالية بسبب حكم غزة وتحمّل مسؤولية أكثر من مليونين فلسطيني، وحاجات إعادة إعمار القطاع الذي تعرّض لأضرار شديدة من العدوان الإسرائيلي المستمرّ، فضلاً عن الحاجة إلى رواتب المدنيين والعسكريين التي قطعتها السلطة الفلسطينية.

وكانت إيران هي الملاذ الوحيد للحركة، في ظلّ ملاحقة عربية شرسة لها، خصوصاً مع خسارة ساحة دعم مهمّة في السعودية، التي اعتقلت العشرات من كوادرها.

وحتى مع العلاقة المميّزة مع إيران، نجحت (حماس) إلى حدٍّ ما في الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي، وإن لم تخلُ هذه المرحلة من التجاوزات والإفراط في مدح إيران وقادتها، ما أثار عليها بعض مؤيديها من شعوب مكلومة من التدخل الإيراني في المنطقة في العراق وسوريا واليمن.

 ولكنّ مساراً جديداً قد فُتح في المنطقة بعد قمّة النقب الأخيرة، ولم يقتصر ذلك على التطبيع وفقاً للاتفاقات الإبراهيمية، ولكنّه قام على التعاون بين “إسرائيل” ودول المنطقة أمنيّاً وسياسياً، بحيث تكون “إسرائيل” على رأسه، وذلك بحجّة مواجهة “الخطر الأمني” الإيراني، لا سيما أن بعض الهجمات التي شنّها الحوثي على السعودية والإمارات شكّلت مبرّراً لتسويق هذه المخاوف، فيما لم تسعَ إيران إلى تهدئتها، بل كان السلوك الإيراني يشكّل مظلة لها.

وفي المقابل، وجدت (حماس) نفسها بحاجة إلى الاندماج أكثر مع إيران، لمواجهة التحالفات الجديدة التي شعرت أنها مستهدفة بها. وبدأ الحديث عن محور القدس مع حلفاء إيران في اليمن والعراق والنظام السوري، كمحور مضادّ لا بدّ لـ(حماس) أن تحتمي به، وتستفيد من إمكانياته، خصوصاً مع التخوّف الشديد من تراجع مساحات وجودها، خصوصاً في تركيّا مع بدء الحكومة تفعيل علاقاته مع الاحتلال بما يعنيه ذلك من احتمال تقليص وجودها في هذه الساحة التي تضمّ المئات من كوادرها.

ولكن يبدو أن المخاوف من هذا الحلف المزعوم مبالغٌ فيها، ففيما تحاول إسرائيل استغلال الانسحاب الأمريكي من المنطقة، لتعزيز وجودها الأمني فيها، فإن نجاح ذلك مشكوك فيه. إذ إن معظم الأنظمة لديها منظومات دفاع أمريكية، وهناك تحسّب من المشاركة مع الكيان تحسّباً لردّة فعل إيران.

وتبدو المخاوف من هذه المنظومة غير واقعية، فلن يكون هناك (ناتو شرق أوسطي) بمعنى الكلمة، وإنما نشر لأنظمة صاروخية في بعض البلدان الخليجية وربما في الأردن أيضاً، بهدف تهدئة مخاوف هذه الدول من “هجمات إيرانية” لا أكثر.

ولذلك، فإن الدعوة إلى تموضع جديد ضمن المحور الإيراني، بكلّ مكوّناته، تحتاج إلى المزيد من التأنّي، إذا أخذنا بالاعتبار سؤال الجدوى بشأن علاقتها بحلفاء إيران في العراق واليمن وسوريا لأسبابٍ عدّة، فضلاً عن المحاذير التي تتصل بصورة الحركة أمام القوى الشعبية والإسلامية. كما أن تعميق تحالفها مع المحور الإيراني، قد يعني اندماجاً في مشروعٍ ينظر له على نطاق واسع بأنه يتقدّم على حساب حواضن الشعبية لحماس ذاتها، وهو ما لا تقبله (حماس) بكلّ تأكيد.

ودون شكّ، فإن ذلك لا يُسقط أهمية العلاقة مع إيران أولاً وحزب الله ثانياً، بسبب المنافع المتحقّقة معها لبرنامج المقاومة.

 الخلاصة

 أكّدت (حماس) من خلال الممارسة على استقلالية عالية في قرارها السياسي وعلاقاتها الوطنية والعربية والإقليمية والدولية، ولكنّ خطّها المقاوم، وتمسّكها بثوابت الشعب الفلسطيني، جعلها عرضةً للاستهداف الإقليمي والدولي للتراجع عن خطّها. وفيما تحاول حماية رأسها ومشروعية وجودها، اضطرّت للّجوء إلى إيران لتلقّي الدعم مع التأكيد على استقلالية قرارها. ولأنها حركة أساسية في الشعب الفلسطيني، فإن الأمل لا يزال معقوداً عليها للحفاظ على استقلالها والاستمرار في موازنة علاقاتها الخارجية.

الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء مجموعة الحوار الفلسطيني.

الوسوم
اظهر المزيد

ماجد أبو دياك

كاتب وصحفي فلسطيني متخصص في الصراع العربي-الإسرائيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق