
الفلسطينيون ومعبر رفح «تشغيلٌ مقيّد ومسارٌ جديدٌ للتهجير»
تمهيد
يعود مخطط تهجير سكان قطاع غزة إلى الواجهة من جديد، متداخلًا في بنية الإجراءات المصاحبة لإعادة فتح معبر رفح وآلية تشغيله؛ إذ تشير المستجدات إلى أن فتح المعبر لم يُنهِ المسعى الإسرائيلي لفرض هذا المخطط، بقدر ما جرى توظيفه لإحكام أدوات تشغيل تنسجم مع استراتيجية التهجير، عبر فتحٍ محدود وبسقفٍ يومي ضيّق لا يتجاوز عشرات الأفراد، مقرونٍ بتدقيقٍ أمني مشدّد، وتعليقٍ متعمّد لحركة العديد من الحالات الطبية العاجلة، فضلًا عن اعتقال وتحقيق قاسٍ للعديد من العائدين، في توجّهٍ ممنهج لرفع كلفة العودة إلى مستوى يُثني الآخرين عنها، ويُرسّخ بيئة طاردة للمتبقين داخل قطاع غزة، بحيث يتحول القرار الفردي إلى استجابة قسرية لبنية ضغطٍ مستمرة تدفع نحو خيار التهجير.
وعلى التوازي، يتقاطع هذا المسار مع استمرار الخروقات اليومية في مختلف مناطق قطاع غزة، ما يُبقي هشاشة الاتفاق الجاري قائمة، ويجعل قابلية الانفجار احتمالًا حاضرًا في وعي الغزيين باستمرار، وهو ما تُعزّزه أيضًا الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي تُعيد إنتاج سردية عدم قابلية العيش في القطاع، ما يدفع السكان تدريجيًا نحو خيار الهجرة بوصفه خيارًا قسريًا لدى النازحين داخل القطاع وخارجه. وفي هذا السياق، يُقرأ سلوك الاحتلال بوصفه مسعى لتكريس هذا المسار؛ إذ راهن طوال الفترة الماضية على الإغلاق التام، والضغط المستمر باتجاه فتح المعبر نحو الخروج دون العودة، ثم مع اضطراره إلى القبول بفتحه في كلا الاتجاهين تحت تأثير الضغط الإقليمي والأمريكي، اتجه إلى هندسة آلية تخدم سياسة الإفراغ السكاني التدريجي.
وفي هذا السياق، يسلّط التقرير الضوء على موقف الأطراف الفلسطينية الفاعلة في المشهد الغزّي من المسعى الإسرائيلي للتحكم بآليات معبر رفح بما يدفع نحو التهجير، مع الإشارة إلى أبرز خيارات المواجهة المتبقية لدى تلك الأطراف، في ظل تراجع أدوات الضغط السياسي لديها، وكلفة أي رد ميداني على تلك الخروقات.
الفصائل والسقف الإسرائيلي
جاء موقف حركة حماس وباقي الفصائل حيال إعادة تشغيل معبر رفح في كلا الاتجاهين، في بادئ الأمر، إيجابيًا، على اعتبارها خطوة تُنهي مسار التهجير الذي تسعى حكومة الاحتلال إلى فرضه. غير أن المعطيات المتسارعة بشأن آليات التشغيل كشفت بشكلٍ جلي استمرار المعضلة الجوهرية المتمثّلة بغياب أي جدّية فعلية لدى الاحتلال في استكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، بحيث بات الموقف الفصائلي العام أكثر إحباطًا، في ظل عدم القدرة على إلزام الاحتلال بالالتزام بالآليات المتفق عليها دون أي إعاقة. كما برز هذا الموقف الإسرائيلي في خطاب نتنياهو الأخير، الذي أعاد تثبيت ثلاث لاءات حاسمة: عدم الانسحاب من قطاع غزة، وعدم السماح بإعادة الإعمار، ورفض أي تواجدٍ لقوة تركية في قطاع غزة، بما يعكس توجّهًا لإبقاء المسار الإجرائي تحت السيطرة، بحيث لا يُفضي إلى تثبيت ترتيبات سياسية وإنسانية.
ويُبقي هذا السقف الإسرائيلي المتصلّب الأطرافَ الفلسطينية تحت ضغطٍ سياسي وميداني متواصل، في ظل تآكل أدوات الضغط المباشر، وارتهان مسار انتزاع الاستحقاقات لوتيرة ضغط الوسطاء، ما يُفضي إلى إطالة أمد تحصيلها ويُرسّخ ملامح بيئة طاردة للسكان. ويظهر هذا التخوّف بوضوح في الخطاب الفصائلي، الذي يقرأ التطورات الميدانية الأخيرة في قطاع غزة باعتبارها مؤشرًا على تحرّك إسرائيلي ممنهج، وليس ردود فعل على خروقاتٍ ميدانية كما تدّعي حكومة الاحتلال، بل يعكس توجّهًا يستهدف تثبيت واقع يُنتج الهجرة القسرية تدريجيًا، عبر تراكم شروط أمنية تجعل من البقاء بحد ذاته عبئًا لا يُطاق.
ورغم التفاؤل الذي أبداه الوسطاء الإقليميون عقب فتح معبر رفح، باعتباره خطوة تُمهّد لترتيبات سياسية وإدارية لقطاع غزة، فإن الموقف الفصائلي الفلسطيني لم يكن على المستوى ذاته من التفاؤل؛ إذ اعتبر تزامن تشغيل المعبر مع تصاعد وتيرة الاستهدافات وفرض قيود أمنية، يُفرّغ الخطوة من مضمونها العملي والسياسي. وبالتوازي، تتصاعد حالة الإحباط العام مع تراجع قدرة الفاعلين الفلسطينيين، وفي مقدمتهم حركة حماس، على إنتاج أدوات ضغط تُحكم المسار الإجرائي بعيدًا عن أي قيود إسرائيلية، لا سيّما مع إعادة تأكيد نتنياهو على خطوط حمراء مرتبطة بالانسحاب وإعادة الإعمار وترتيبات الوجود الأمني والسيادي، ما يعني أن المعادلة باتت تخضع للتحكّم الإسرائيلي دون كلفة ضغطٍ ميداني أو سياسي.
موقف لجنة التكنوقراط
لا تزال حكومة الاحتلال ترفض السماح للجنة الوطنية الفلسطينية (لجنة التكنوقراط) بدخول قطاع غزة للبدء بعملها في إدارة شؤون غزة، عبر اختلاق ذرائع متعددة، كان آخرها بالتزامن مع القيود المفروضة على إدارة معبر رفح، عبر التذرّع برفض شعار اللجنة لتشابهه مع شعار السلطة الفلسطينية، في توجّهٍ صريح يرفض أي مظهر سيادي فلسطيني في قطاع غزة، حتى وإن كان مقتصرًا على شكل الشعار، وهو ما يعكس استمرار الاحتلال في اختلاق ذرائع تُعطّل التفاعل مع أي مسارات قد تُفضي إلى التزامات إضافية على الاحتلال في سياق متطلبات العمل الميداني والإداري.
وبخلاف ذلك، تصطدم لجنة التكنوقراط بتحدٍّ مزدوج آخر يُعطّل بدء عملها، بوصفها الفاعل المستجد في إدارة المشهد الغزّي بإشراف مجلس السلام، يتمثّل في تضاؤل فرص تثبيت آلية تشغيل مستقرة وملائمة لمعبر رفح في ظل التوجّه الإسرائيلي لتفريغ هذا المكسب من مضمونه من جهة، واستمرار الضغط الميداني الذي يولّد بيئة غير مواتية تُعيق مسارات إدارة شؤون قطاع غزة من جهةٍ أخرى. وبالتالي، يفرض هذا التحدي على أعضاء اللجنة الدخول في مفاوضات أخرى حول آليات تشغيل معبر رفح، وإعادة ضبط الضمانات الهشّة، ما من شأنه تأخير البدء الفعلي والمباشر بإدارة شؤون قطاع غزة.
ورغم هذا التعطيل الممنهج، تبدو اللجنة ميّالة إلى مقاربة براغماتية تقوم على تجاوز المعيقات التي يفرضها الاحتلال على إدارة المعبر، عبر التعامل مع فتحه—رغم القيود—بوصفه نافذة يمكن استثمارها للدفع ببدءٍ تشغيلي تدريجي لمنظومة عملها داخل القطاع، على أمل مراكمة خطوات تُتيح لها فرض معايير حوكمة العبور تدريجيًا، لا سيّما وأن إعادة انتظام وتيرة الحياة وتخفيف تداعيات الأزمة الإنسانية يمثّلان الملف المركزي في أولوياتها. وفي هذا السياق، جاء تراجع اللجنة المباشر عن الشعار الذي شكّل ذريعةً للاحتلال، بما يُقرأ كخطوة احترازية لحرمان الاحتلال من ذريعة إضافية لتعطيل مسارها.
وبشكلٍ عام، يُركّز الخطاب الفلسطيني، بمستوييه الفصائلي والرسمي (لجنة التكنوقراط)، في الآونة الأخيرة، على التأكيد المستمر على الرغبة في استكمال مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، ما يُظهر جدّية الأطراف الفلسطينية، ويضع الطرف الإسرائيلي تحت ضغطٍ مستمر من الوسطاء الإقليميين والضامن الأمريكي، بوصفه الطرف المُعطّل. وفي هذا السياق، تسعى حركة حماس إلى ترسيخ هذا التوجّه عبر التركيز في تصريحاتها على خروقات الاحتلال وضرورة إلزامه بالاتفاق، مع الحرص على تجنّب الانجرار إلى أي ردود على الخروقات الإسرائيلية المتتالية، كي لا تمنح الاحتلال فرصة لإفشال إتمام الاتفاق، وهو ما يُفسّر المرونة التي تحاول الأطراف الفلسطينية، بما فيها لجنة التكنوقراط، إبداءها حيال المستجدات المتسارعة في الآونة الأخيرة.
وعلى أي حال، يُلاحظ أن عمل اللجنة وفتح المعبر جاءا في توقيتٍ حسّاس؛ إذ لا يزال الاحتلال يحتفظ بسيطرة أمنية كاملة على محاور واسعة في القطاع، معزّزًا ذلك باستمرارية التصعيد الميداني، وربط أي تقدّم بنزع سلاح المقاومة، وهو ما يُبقي على بيئة هشّة تُعيق تفعيل مكتسب تشكيل لجنة التكنوقراط أو فتح معبر رفح، بحيث يبدو أن الاحتلال يُبقي على المشهد الغزّي في وضعٍ راهن يقوم على فاعلٍ إداري شكلي لم يتولَّ أي أدوات تنفيذية، وقوة عسكرية مُنهكة بلا غطاءٍ حكومي، ما يُثبّت تحكّم الاحتلال بالصمّامات الحدودية، وفي مقدّمتها معبر رفح، الذي بات أداةً جديدة تُحكم عبرها ملفات العبور والإغاثة والإيواء لفرض مخطط التهجير.
ويظل رهان الأطراف الفلسطينية على مراكمة ضغطٍ سياسي عبر الوسطاء، مع السعي إلى تكريس صورة دولة الاحتلال بوصفها طرفًا مُعطّلًا، مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الفلسطينية الفاعلة على فرض انتقال ملف فتح معبر رفح من تشغيلٍ مقيّد إلى مسار تشغيلي منتظم ينعكس مباشرة على الواقعين الإداري والإنساني. غير أن هذا التحوّل يبدو مستبعدًا في ضوء المعطيات الراهنة التي تستلزم زمنًا ممتدًا للتمكّن من دفع الاحتلال نحو التجاوب مع كافة المخرجات دون أي معيقات، وهو ما يحمل كلفة متصاعدة قد تدفع شرائح أوسع من السكان إلى التفكير الجدي بخيار الخروج من القطاع. وبالتوازي، تتزايد مؤشرات الإدراك الفلسطيني لطبيعة المعادلة الحاكمة للمشهد الغزّي؛ إذ لم تعد الأدوات الميدانية أو السياسية متاحة بالقدر الكفيل بكبح خروقات الاحتلال، ما يُعزّز الميل إلى استراتيجية ضغطٍ تراكمي يُفرض تدريجيًا، من شأنه تعرية التعطيل الإسرائيلي، غير أن هذا المسار، بحكم المعادلة الراهنة، يتطلب وقتًا طويلًا لا يتّسق مع إلحاح الاحتياجات الإنسانية في المرحلة الراهنة.
