أوراق سياسية

الفلسطينيون والمرحلة الثانية من اتفاق غزة

في شهر يناير 2026، أعلن الوسطاء الإقليميون والضامن الأمريكي بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وتشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية تتولى إدارة القطاع لفترةٍ انتقالية، في تبلورٍ لتفاصيل جديدة كشفت ملامح المرحلة المقبلة التي كان يكتنفها الغموض طيلة الفترة الماضية، ولا سيّما في ظل تزايد المؤشرات على مساعٍ إسرائيلية لتحويل الوضع الراهن إلى وضعٍ مستدام، يتيح لها حرية العمل العسكري والإبقاء على سيطرتها العسكرية على الجزء الشرقي من قطاع غزة. وقد بدا ذلك واضحاً من خلال محاولات الطرف الإسرائيلي إعاقة جهود الأطراف الدافعة نحو الانتقال بالاتفاق إلى المرحلة الثانية.

المرونة لتثبيت الاتفاق

يتقاطع التقدم الحاصل بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية مع الموقف الفصائلي، وفي مقدمته موقف حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بحسب جميع المعطيات والمؤشرات سعتا إلى إنجاح المرحلة الأولى وتسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية واستكمال الانسحاب، عبر مطالبة الوسطاء بممارسة الضغط اللازم على دولة الاحتلال لثنيها عن الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار. وقد أكدت ذلك العديد من التقارير والتصريحات التي أشارت إلى تصاعد وتيرة القلق الفلسطيني حيال الموقف الإسرائيلي ومدى جديته تجاه الاتفاق، لا سيّما في ظل التنصل المتعمد من الإيفاء بمخرجات المرحلة الأولى، رغم الالتزام الكامل من الطرف الفلسطيني بكافة استحقاقاته.

وفي اجتماعات القاهرة خلال يناير الجاري، بدا موقف حركة حماس إيجابياً في سياق ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، حيث أبدت، إلى جانب باقي الفصائل، مرونة تجاه الأسماء المقترحة لتشكيل اللجنة، ووافقت على تعديل بعض الأسماء التي اصطدمت بفيتو إسرائيلي أو أمريكي، رغبةً في تجاوز أي تعطيل لمسار تثبيت وقف إطلاق النار. وقد سارعت الحركة إلى الإعلان عن استعدادها لتسليم جميع الإدارات والمؤسسات الحكومية في قطاع غزة للجنة المنبثقة عن التشاورات الفصائلية، وهو ما تبلور عملياً عبر إصدار قرار حكومي يُلزم كافة الجهات الإدارية بتسهيل عملية التسليم والتعاون الكامل مع اللجنة الانتقالية المستحدثة، في إطار السعي لإنجاح المرحلة الثانية من الاتفاق.

وفي المقابل، حاولت السلطة الفلسطينية الدفع باتجاه تشكيل اللجنة بما ينسجم مع مقاربتها الهادفة إلى تعزيز مرجعيتها، وهو ما تجلّى في رفض حركة فتح، في بادئ الأمر، فكرة اللجنة من دون مرجعية فلسطينية. غير أن هذا الخلاف جرى تجاوزه سريعاً بجهود مصرية في القاهرة، لتقريب وجهات النظر وقطع الطريق أمام المساعي الإسرائيلية الرامية إلى منع أي ارتباط بين اللجنة والسلطة. ورغم مبادرة الأخيرة إلى الترحيب المباشر وتسهيل انتقال أعضاء اللجنة من الضفة الغربية إلى القاهرة لمباشرة مهامهم، فإن هواجسها بشأن مخاطر تحويل الوضع المؤقت للجنة إلى وضع مستدام، بوصفها مشروعاً سياسياً بديلاً، ما زالت قائمة، لا سيّما في ظل التأكيد الإسرائيلي المتكرر على ترسيخ الانقسام الفلسطيني، بما ينسف فرص قيام دولة فلسطينية مستقبلاً.

ويبقى الموقف المعلن للسلطة الفلسطينية قائماً على اعتبار الترتيبات الداخلية الراهنة مؤقتة وضرورية لتجاوز المخططات الإسرائيلية ومنع نشوء فراغ إداري في القطاع، على أمل ألا تتحول هذه الترتيبات إلى حالة مستدامة، من خلال مراكمة خطوات تمهّد لعودة إدارة القطاع إلى السلطة. وقد أكد أعضاء اللجنة أن هذه المرحلة انتقالية، وعنوانها الرئيسي معالجة ملفات الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وهو ما شدد عليه رئيس اللجنة، علي شعث، مؤكداً ضرورة التنسيق بين غزة والضفة، على أساس أن تشكيل اللجنة جاء استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 وخطة ترامب للسلام.

تحديات المرحلة الثانية ولجنة التكنوقراط

تُدرك حركة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية وفق العديد من التصريحات والبيانات أن المرحلة المقبلة لا تقل تعقيداً عن المرحلة الأولى، التي لم تفِ دولة الاحتلال حتى الآن بكافة استحقاقاتها. إذ تشير المؤشرات الراهنة إلى إصرار إسرائيلي على المضي قدماً في إفشال مساعي تثبيت وقف إطلاق النار، والتسويف في تنفيذ بنود الاتفاق، وهو ما يتجلى في استمرار الخروقات، بالتزامن مع الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط، والبدء بالمرحلة الثانية، وتشكيل ترامب لمجلس السلام. ويزيد هذا الواقع من تعقيد المشهد، ويرفع حجم التحديات الملقاة على عاتق حركة حماس، لا سيّما في ما يتعلق بضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية والميدانية للضغط على حكومة الاحتلال للإيفاء بتعهداتها، ولا سيّما فتح معبر رفح في الاتجاهين، والانسحاب إلى المحاور المتفق عليها، وتمكين اللجنة من إدارة شؤون القطاع وملف إعادة الإعمار.

وبالتوازي، تواجه لجنة التكنوقراط تحديات تتصل بآليات عملها في قطاع غزة، في ظل الفيتو الإسرائيلي الذي ما زال يعيق دخولها إلى القطاع وتولي مهامها المتفق عليها ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار. إذ تشير تقارير إسرائيلية إلى رفض حكومة الاحتلال التعامل مع اللجنة أو السماح لها بمباشرة مهامها، بحجة عدم التنسيق المسبق معها بشأن تشكيلها. وفي المقابل، تطالب حركة حماس وباقي الفصائل الوسطاء بممارسة الضغط اللازم على الطرف الإسرائيلي لتمكين اللجنة من بدء عملها الميداني في القطاع.

نزع السلاح والانسحاب يعيقان التقدم

مع بدء المرحلة الثانية، تواجه الأطراف الفلسطينية جملة من التحديات المرتبطة بالموقف الإسرائيلي من عدد من الملفات، وفي مقدمتها ملفا نزع السلاح والانسحاب. إذ تشترط دولة الاحتلال تحقيق تقدم في ملف نزع السلاح مقابل أي انسحاب ميداني، في وقت ما زالت قواتها تسيطر فيه على القسم الشرقي من قطاع غزة، ولم تبدأ بعد الانسحاب إلى المحاور المتفق عليها. وفي المقابل، تتمسك حركة حماس بضرورة انسحاب قوات الاحتلال أولاً قبل الخوض في ملف السلاح، وهو موقف يحظى بدعم فصائلي ضمني، لا سيّما في ما يتعلق بالحاجة إلى ضمانات تحول دون عودة السيطرة العسكرية بعد أي خطوات تتصل بتفكيك سلاح المقاومة.

وتُظهر تصريحات حركة حماس أن موقفها العام من ملف نزع السلاح يقوم على رفض تأطيره ضمن تنازلات مرحلية قصيرة المدى، مقابل التأكيد على ضرورة معالجة جوهر الصراع في إطار تسوية شاملة. وتفرض هذه القراءة على الحركة اعتماد مناورة تكتيكية تهدف إلى تثبيت الاتفاق وتخفيف حدّة الأزمة الإنسانية، التي باتت الملف الرئيسي على جدول أعمال اللجنة الجديدة، مع إمكانية التعاون في ما يتعلق بآليات ضبط سلاح المقاومة، من دون الشروع فعلياً في نزعه خلال المرحلة المقبلة، لا سيّما في ظل استمرار المؤشرات على التنصل الإسرائيلي من الاستحقاقات المتفق عليها. وبصورة عامة، يتمحور موقف الحركة حول الرفض القاطع لأي ربط بين ملف السلاح والانسحابات الميدانية، والدعوة إلى الدخول في مسار تسوية شاملة لحقوق الشعب الفلسطيني بمشاركة جميع الأطراف الفلسطينية.

وعلى أي حال، يتشكل الموقف الفلسطيني، بمختلف مستوياته وأطرافه، تجاه التطورات الأخيرة المرتبطة بتشكيل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط، انطلاقاً من إدراك متزايد لخطورة الواقع الراهن، الذي وضع الفلسطينيين أمام خيارات قاسية وضيقة، مع هامش محدود للمناورة، في ظل تآكل المعادلات التقليدية. إذ باتت القراءة الفلسطينية محصورة بين سيناريوهين حادّين: إما وصاية دولية ناعمة ذات طابع إشرافي مؤقت، قد تفتح لاحقاً مساراً سياسياً، أو احتلال عسكري قاسٍ يكرّس واقعاً عسكرياً وإدارياً يلغي أي كيانية فلسطينية، ويفتح الباب واسعاً أمام التهجير والتصفية المستدامة، وفق مخطط الحسم الذي يتبناه اليمين المتطرف.

وأمام هذه التحديات، يتفق الفلسطينيون على ضرورة تكثيف الضغوط الدولية على دولة الاحتلال للالتزام باستحقاقات الاتفاق، في ظل محاولات متواصلة لتعطيل مسار وقف إطلاق النار عبر الخروقات الميدانية المستمرة، ومنع استكمال متطلبات المرحلة الأولى، رغم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية، فضلاً عن تعطيل عمل لجنة التكنوقراط ومنع دخولها إلى القطاع.

وعليه، يبقى نجاح المرحلة الثانية وعمل لجنة التكنوقراط، عملياً، مرهونين بمدى استجابة الطرف الإسرائيلي للضغوط المتصاعدة خلال الأيام المقبلة، ولا سيّما في ما يتعلق بانسحاب قواته ووقف خروقاته المستمرة. وهو ما تتابعه حركة حماس وباقي الفصائل بحذر شديد، على المستويين الميداني والسياسي، لتفويت الفرصة على الاحتلال لجرّ الأوضاع نحو مربع التصعيد من جديد، عبر مواصلة اللجوء إلى الوسطاء الإقليميين والضامن الأمريكي لممارسة الضغط اللازم على حكومة الاحتلال. فرغم التقدم في تشكيل اللجنة وتجاوز الخلافات الداخلية والفيتوهات الإسرائيلية والأمريكية، ما زالت مباشرة مهامها عملياً وميدانياً رهناً بدور الأطراف الفاعلة في مجلس السلام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق