تقدير الموقف

غزة بين الضمانات الإقليمية وأفق الحل السياسي

وبينما يجري الإعداد للجلسة الأولى لمجلس السلام، في ضوء تطورات تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، يتصاعد دور الدول الإسلامية الضامنة في الالتزام بالمتطلبات الفلسطينية وتأمين أفق للحل السياسي. وتشكّل هذه اللحظة أرضيةً تتيح فرصة انتقال التعاطي الدولي مع الوضع في غزة إلى مرحلة مختلفة عن مسارات الصراع السابقة، ولا سيما تلك التي غلّفت مراحل تطبيق اتفاق أوسلو، بما يفتح الطريق أمام إعادة بناء الوحدة الفلسطينية إذا نجح ما الفلسطينيون في استثمار الزخم الدولي المرتبط بتنامي الوعي بضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية.

وخلال الأسبوع الماضي، شهدت الساحة الفلسطينية تطورات متقاربة أسهمت في بعث الروح الوطنية لدى مكوّناتها المختلفة. فمن الجانب التركي، بات واضحًا أن أنقرة تعمل على الدفع نحو مسار موحّد للقوى الوطنية الفلسطينية، يجتمع فيه كل من حركة حماس والسلطة الوطنية الفلسطينية، لا بوصفه إطارًا لتجاوز الخلاف التاريخي بين حماس وفتح فحسب، بل باعتباره لبنة أساسية في مسار الوصول إلى الدولة الفلسطينية. وفي هذا السياق، شكّل الاجتماع الذي عقده وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع رئيس اللجنة المؤقتة لإدارة غزة، علي شعث، بحضور السفير الفلسطيني لدى تركيا، دلالة واضحة على شمول الرؤية التركية وضرورة تجاوز الماضي والتطلع إلى مستقبل الدولة الفلسطينية.

وعلى مستوى موازٍ، جرت محادثات في مصر ضمّت رئيس اللجنة المؤقتة لإدارة قطاع غزة وممثلًا عن منظمة التحرير الفلسطينية، بما يعكس تقاطع الرؤية المصرية مع الموقف التركي حول ضرورة جمع الفلسطينيين على طاولة واحدة، في مواجهة التغوّل الإسرائيلي، ودفع الولايات المتحدة نحو الالتزام بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

ومنذ أكتوبر الماضي، بدأت حركة حماس تتحرك بمسؤولية سياسية ضمن الإطارين التركي والمصري، وقد لقي هذا التوجه دعمًا وتفهمًا من الوسطاء، وفق ما نصّ عليه اتفاق شرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025. وقد أثمر هذا المسار خطوات مهمة، من بينها الإعلان عن الاستعداد لتسليم مقاليد الإدارة في قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية المؤقتة، إلى جانب الاستعداد لتسوية ملف السلاح ضمن إطار وطني جامع.

ومنذ ذلك التاريخ، برز تطوران أساسيان؛ أولهما ازدياد التناغم بين المطالب الفلسطينية والدول الضامنة في ما يتعلق بتوفير الضمانات اللازمة لانسحاب “إسرائيل” من قطاع غزة، وهي نقطة محورية تحرص الأطراف المختلفة على إنجازها عبر التفاوض ودون العودة إلى الحرب. ويمكن القول إن ما يتحقق اليوم من بناء شبكة تضامن بين الفلسطينيين والدول المعنية يشكّل أساسًا صلبًا لتعزيز الالتزام بالحل السياسي.

أما التطور الثاني، فيتعلق ببروز اتجاه جديد داخل البنية الفلسطينية قادر على تجاوز ارتباكات الماضي. إذ يلاحظ تزايد الاستقرار في التفاهمات الإقليمية حول ضرورة تجديد البنية السياسية الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يتجلى في الإصرار على ربط قطاع غزة بالسلطة الوطنية ومنع أي مسار يؤدي إلى فصله. وفي هذا الإطار، يُعد احتضان القاهرة المؤقت للجنة إدارة غزة، والتعامل التركي معها بمنطق الدولة لا الفصائل، خطوة تمهّد الطريق لتفويت محاولات الإشغال الإسرائيلية عبر افتعال أزمات جانبية.

وخلال الفترة التي أعقبت طرح المبادرة الخاصة بخطة عمل تحت رقابة الأمم المتحدة، شهدت مواقف الدوائر المؤيدة للحق الفلسطيني نضجًا ملحوظًا، لم يقتصر على تبلور مواقف مجموعة الثماني، بل ظهر بوضوح في قدرتها على التأثير في مواقف دول أخرى، ولا سيما دول أوروبية مثل بريطانيا. ويحمل ذلك دلالة مهمة على إمكان حشد دعم دولي أوسع لمسار التحالف الدولي الرامي إلى تنفيذ حل الدولتين.

وعبر المواقف المشتركة، واصلت هذه المجموعة، بما فيها الرياض وأنقرة والقاهرة ، التصدي للمحاولات الاستباقية التي ينتهجها الاحتلال لتخريب الاتفاق، سواء من خلال الاعتداءات على غزة، أو التعنت في إغلاق معبر رفح، أو عبر سياسات قضم أراضي الضفة الغربية.

ولا تقتصر أهمية هذه الصيغة على كونها إطارًا غير مسلّح، بل إنها تُرسّخ ظهيرًا دوليًا لحماية المكتسبات الفلسطينية، أو على الأقل للحد من الخسائر. ويتضح ذلك في مشاركة عدد من الوفود في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، حيث برز إصرار واضح على استثمار فرصة وقف الحرب لتطوير المشروع السياسي الفلسطيني، وتجنّب ما قد يعكّره، ولا سيما محاولات التشويش التي تقودها حكومة نتنياهو، والعمل على خفض تأثيرها في دوائر صنع القرار الأمريكية.

وتتعزز جهود وقف إطلاق النار وإحلال السلام مع تسارع وتيرة التعاون التركي–المصري، الذي يجري بوعي كامل بالتحديات العسكرية والاقتصادية الإقليمية، حيث تعمل الدولتان على أرضية تعاون مشتركة لسد الثغرات أمام محاولات الخلخلة الخارجية لأمن الشرق الأوسط.

وتعكس كلمات عدد من الوفود في مجلس الأمن تأكيدًا على ثوابت التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية، وعلى التنفيذ الكامل للالتزامات الدولية ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وتثبيت السكان في أراضيهم، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار. ولا تكمن أهمية هذه المواقف في تكرارها، بل في كونها ستشكّل مرجعية أساسية في الاجتماع الأول لمجلس السلام، بما يعيد الاعتبار للتعامل الدولي مع القضية الفلسطينية ضمن مقاربة مزدوجة: الحفاظ على المرجعية الدولية، وإدارة النقاش ضمن إطار دولي تكون فيه اللجنة العربية والإسلامية عنصر تيسير وضمان للحل السياسي.

وفي أكثر من موضع، انعكست هذه الرغبة التي تحوّلت إلى سياسة تضامنية عملية، لعل أبرزها ما يتصل بالتعاون العسكري، وهو تطور نوعي من شأنه تعزيز فعالية الضمانات المطروحة، ولا سيما في ظل وجود قيادات سياسية فاعلة قادرة على الدفع بالمؤسسات نحو تحقيق السلام في غزة، ومواجهة التحديات الإقليمية الأخرى. وتمثل هذه الصيغة دعمًا مباشرًا للمطالب الوطنية الفلسطينية، ومكسبًا يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.

وتشير التطورات الجارية إلى أن موافقة حركة حماس على الخطة الأمريكية شكّلت مدخلًا مناسبًا للحفاظ على دورها ضمن دوائر الثقة الإقليمية، ولا سيما مع تركيا ومصر، اللتين تشكّلان الضامن الأساسي والظهير السياسي في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق