تقدير الموقف

الرؤية الإسرائيلية لإصلاح السلطة الفلسطينية

على مدى مراحل العدوان غزة واتفاق وقف اطلاق النار، لم تشكل مسألة إصلاح السلطة الفلسطينية أو إعادة احياءها وتحسين نظامها الداخلي أي اهتمام من جانب الاحتلال الذي يتبنى موقفاً مُعلناً بإبقاء السلطة كياناً وظيفياً ذي طابع أمني دون أن يشكل ذلك تحدياً سياسياً لإسرائيل التي تتعامل مع السلطة الوطنية كمشروع تقني بحاجة الى التطوير من حيث الكفاءة الأمنية، دون أن يكون لهذا التطوير أي تطور سياسي مستقبلي على طريق استئناف مسار حل الدولتين.

المسارات المتعارضة للإصلاح

حازت فكرة مواجهة أي جهود دبلوماسية على طريق قيام الدولة الفلسطينية الى جانب الكيان الصهيوني على جزءً مهمٍ من الخطاب الإعلامي للحكومة الإسرائيلية خلال حرب الإبادة على غزة، وقد عاد نتنياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية في 16 نوفمبر 2025 مستبقاً قرار مجلس الأمن المتعلق بوقف الحرب على غزة، والذي تناول في أحد بنوده إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، مؤكداً أن معارضة إقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية لم تتغير بالنسبة لحكومته. وفي أحد تصريحاته اللاحقة أكد نتنياهو أن فكرة حل الدولتين سوف تستغرق أجيالاً، وحتى إذا قامت ستكون إسرائيل صاحبة السيادة الأمنية الكاملة.

لهذا ترى الحكومة الإسرائيلية التي لم تقدم من الأساس أي أفكار حول اصلاح السلطة الفلسطينية، أنه من الضروري تحول السلطة الفلسطينية إلى كيان غير مهدد لأمن إسرائيل قبل أي مفاوضات مستقبلية، لهذا فإن الحكومة الإسرائيلية تبحث عن تطوير كيان أمني لإدارة المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، مع الحرص على عدم الربط السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا ما ظهر جلياً بنجاح إسرائيل في إبعاد السلطة الفلسطينية عن مجلس السلام الدولي، وخلق لجنة تكنوقراط في غزة بعيداً عن أي مرجعية سياسية فلسطينية، وهذا لا يختلف من حيث المضمون عن تلك المطالب الدولية بإصلاح السلطة الفلسطينية وتركز على ملفات الفساد وتحويل مؤسسات السلطة الفلسطينية الى مؤسسات ذات طابع ديمقراطي مع ترك مستقبل الدولة الفلسطينية الى المجهول، وهذا ما أكد عليه القرار الدولي. 

وعليه، فإن المقارنة بين الرؤية الإسرائيلية والدولية في مسألة إصلاح السلطة الفلسطينية تبدو بعيدة تماماً عن الرؤية الفلسطينية التي تعتبر إصلاح منظمة التحرير والبحث عن أي فرصة ممكنة للمصالحة الداخلية أولوية بالنسبة لها.

الرؤية الإسرائيلية لمستقبل السلطة الفلسطينية 

يعبر موقف الحكومة الإسرائيلية المتعلق بمستقبل السلطة الفلسطينية وفرص إقامة دولة فلسطينية عن الرأي العام الإسرائيلي بكافة أطيافه السياسية، فالأمر لم يعد مرتبطاً برؤية اليمين الديني أو القومي. وهذا ما أكد عليه رئيس المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد داعماً فكرة إسرائيل الكبرى، كما يؤكد ليبرمان على أهمية استغلال ظرف الحرب على إيران والذهاب نحو السيطرة الكاملة على قطاع غزة.

في سياق متصل، ووفقاً لاستطلاع رأي كان موقع ynet العبري أجراه عام 2024 أن نسبة المؤيدين لقيام الدولة الفلسطينية الى جانب إسرائيل تراجعت بشكل كبير في صفوف الرأي العام الإسرائيلي، وحسب الموقع أن نسبة الموافقين على قيام دولة فلسطينية كانت تصل الى نحو %35 لكن هذه النسبة تراجعت لتصل الى نحو 26%، بعد أكثر من عام على حرب غزة. وقد ظهر الاعتراض الاسرائيلي داخلياً على إدارة ترامب ودورها تجاه إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة للحرب على غزة، خاصةً وأن الداعمين لموقف الحكومة الإسرائيلية الساعية للتخلص من أي كيان سياسي فلسطيني أخذه في التزايد.

من جانبه قد معهد الأمن القومي الإسرائيلي في فبراير 2026 استطلاعاً مهماً حول العلاقة الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية ومدى تقبل المجتمع الإسرائيلي للدولة الفلسطينية، ولم يتجاوز الداعمين لفكرة قيام دولة فلسطينية 28% من المستطلعة أرآهم، على أن يكون ذلك ضمن الشروط السعودية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وهذا لا يعني أن هذه النسبة من الجمهور الإسرائيلي موافقة على قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن هذه الاستطلاعات تشير الى الدولة الفلسطينية بشكل عام بعيداً عن تلك التفاصيل التي تحرص الحكومة الإسرائيلية من خلال إجراءاتها على عدم وجود أي علاقة سياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

لهذا، لا يعد إصلاح السلطة الفلسطينية من أولويات الإسرائيلية وكذلك الأمر بالنسبة للرأي العام الإسرائيلي، لأن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع السلطة الفلسطينية ككيان أمني وظيفي في جزء من أراضي الضفة الغربية بعيداً عن أي مستقبل سياسي واضح لهذا الكيان الوظيفي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق