أوراق سياسية

بعد اتفاقية الدفاع المشترك السعودي–الباكستاني تحولات الأمن الإقليمي في ظل الحرب على غزة

مع انطلاق العدوان الإسرائيلي ضد إيران، ولاحقاً على قطر، تسارعت وتيرة التفكير في إنشاء مظلة دفاعية جديدة، تكون قادرة على توفير شبكة عسكرية لمواجهة تطورات الحرب وتداعياتها على الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، بدأت السعودية وباكستان مسار تكوين مظلة للدفاع المشترك، لتكون مقدّمة لاتفاقيات عسكرية إقليمية أوسع.

بداية التأسيس

في 17 سبتمبر، أعلنت السعودية وباكستان توقيع «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك»، في إطار سعي البلدين إلى تعزيز أمنهما وتحقيق الأمن والسلام في المنطقة والعالم، بما يشمل تطوير جوانب التعاون الدفاعي، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء. وقد نصّت الاتفاقية على مبدأ الرد المشترك في حال تعرّض أي من البلدين لعدوان يستهدفه.

ومع تصاعد احتمالات اندلاع الحرب مجدداً، اتجهت المناقشات الرسمية نحو توسيع هذا التحالف ليصبح ثلاثياً. ففي منتصف يناير 2026، أعلن وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة حراج، عن صياغة مسودة اتفاق دفاعي بين باكستان والسعودية وتركيا، بعد مفاوضات استغرقت قرابة عام، في خطوة تمثل تطويراً للتفاهمات السعودية–الباكستانية.

يأتي هذا التوجه في ظل إرهاصات الحرب الأمريكية ضد إيران، وبالتزامن مع بدء مراحل وقف إطلاق النار في غزة، وهي تطورات مفصلية تتطلب موقفاً دفاعياً مشتركاً. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استجابة هذه الدول للتحديات العسكرية والأمنية بوصفها امتداداً للعمل المشترك ضمن منظمة التعاون الإسلامي، التي شكّلت، على مدى عامين، منتدى سياسياً للدول الإسلامية، جرى خلاله بحث البدائل الممكنة للتعامل مع بؤر التوتر ومصادر التهديد في الشرق الأوسط. وثمّة توافق بين الشركاء على أن الأزمة الحالية ليست نتاج أحداث السابع من أكتوبر وحدها، بل حصيلة أعوام طويلة من الاحتلال غير الشرعي الذي صادر الحق الفلسطيني في التحرر وصولاً إلى إقامة الدولة المستقلة.

ومن جهتها، ترى مصر في هذا التحالف الدولي أداة ضغط على “إسرائيل”، لتحويل المطالبات العربية من مجرد الدعوة للاعتراف بدولة فلسطين، إلى المطالبة بإنهاء الاحتلال ذاته. ويُعدّ هذا التحول تطوراً جوهرياً في التعاطي الدولي مع مسار التحرر الفلسطيني، من شأنه أن يجعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً واقعاً مدعوماً بتكتل عربي–دولي، يشكّل رافعة للمطالب الفلسطينية، وفي الوقت ذاته يفتح الباب أمام توسيع نطاق العقوبات على إسرائيل.

ركائز التحالف العسكري

خلال مجريات الحرب، شكّلت السياسات التركية والسعودية والمصرية ركناً أساسياً في الحراك السياسي المرتبط بمسارات الحرب وتداعياتها، بدءاً من اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي في الرياض، مروراً بقمة الثماني الإسلامية في القاهرة. ثم لحقت باكستان بهذا المسار بعد انعقاد قمة الدوحة، ليكتمل إطار رباعي يتمتع بقدرات عسكرية وازنة، يمكنها المساهمة في ضبط نزعات الصراع والحروب في الإقليم. وفي هذا السياق، برزت مواقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوصفها مؤشراً على انتقال أنقرة من منطق إدارة الأزمة إلى مقاربة الشراكة الإقليمية، إذ أكد في أكثر من مناسبة أن أمن غزة وفلسطين لم يعد شأناً إنسانياً أو سياسياً فحسب، بل بات جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، بما يستدعي تنسيقاً مباشراً بين الدول المؤثرة، وبلورة آليات ردع جماعي تحول دون انفجار الصراع على نطاق أوسع.

وتُعدّ التحركات السياسية الجارية في هذه المرحلة رافعةً أساسيةً لاستدامة التأثير في السياسات الإقليمية والدولية. وقد أشارت المصادر إلى أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المقررة في 3 و4 من شهر شباط/فبراير 2026 إلى كلٍّ من السعودية ومصر، ستشهد مباحثات معمّقة حول الأوضاع في غزة، وإعادة الإعمار، والقضية الفلسطينية، إلى جانب التطورات في سوريا، بما يعكس تقاربًا وتجانسًا بين الدول الثلاث في مقاربة القضايا المؤثرة في مستقبل الأمن الإقليمي.

وعموماً، لا تبدو تركيا أو مصر بعيدتين عن باكستان أو السعودية، إذ تتمتع الدول الأربع بدرجة عالية من التجانس في السياسات الخارجية والدفاعية، وبتقاطع واضح في المصالح المرتبطة بأمن الشرق الأوسط. ومن المرجح، تبعاً لذلك، أن يمضي التنسيق أو الاتفاق الدفاعي بسلاسة، خاصة في ظل تزايد مصادر التهديد، والفهم المشترك لطبيعة السلوك الإسرائيلي القائم على عدم الالتزام والاستعداد الدائم للعدوان.

وعلى المستوى الجغرافي، تتوافر مزايا لوجستية بين دول هذا التحالف، تسهم في تسهيل انتقال الموارد الاقتصادية وتسريع الاستجابة للتعاون الأمني. فهذه الخريطة لا تقتصر على امتداد اليابسة فحسب، بل تقوم على تموضع الدول كنقاط ارتكاز إقليمي، تمثل خزّاناً سكانياً واقتصادياً يمتد من وسط آسيا والأناضول، إلى الخليج العربي ووادي النيل.

وتشكّل عضوية عدد من الدول العربية والإسلامية في «مجلس السلام» نقطة انطلاق إضافية لتفعيل التحالف الدفاعي والسياسي، بما يتيح مراقبة تطبيق اتفاق وقف الحرب في غزة، والحد من التمادي في الخروقات الإسرائيلية. ويُعدّ هذا المسار سابقة في مواقف الدول الإسلامية، إذ إن وجودها كطرف مناظر للولايات المتحدة، خارج إطار الأمم المتحدة، يعكس انتقالاً من العمل ضمن الأطر الرسمية البحتة إلى ممارسات تنفيذية على أرض الواقع، بحيث لا يبقى مجلس الأمن الإطار الوحيد لمناقشة القضية الفلسطينية، بل يجري العمل على بلورة إطار دولي يُعنى بتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.

وفي هذا السياق، يستند التحالف إلى مسارٍ دولي داعم للقضية الفلسطينية والأمن الإقليمي، بدأت ملامحه الأولى في اجتماع مدريد، حيث رأت مجموعة الاتصال المشتركة لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي—التي ضمّت البحرين ومصر والأردن وفلسطين وقطر والسعودية وتركيا—أن فشل مؤتمر مدريد في إنهاء الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين يستوجب استكمال الحل عبر تمكين الحكومة الفلسطينية من أداء مهامها في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى جانب دعم وقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة وتلبية الاحتياجات الإنسانية.

كما يمكن فهم بعض أبعاد السياسة الخارجية السعودية في هذا الإطار بوصفها جزءاً من مقاربة ولي العهد محمد بن سلمان لإعادة صياغة نمط تفاعل المملكة مع العالم، وتكريس دور إقليمي متوازن في الخليج العربي واليمن، بما يفتح المجال أمام تكامل دفاعي وسياسي أوسع مع الدول المؤثرة إقليمياً.

المزايا السياسية

وبالنظر إلى أن الصيغة التأسيسية بين السعودية وباكستان تقوم على مبدأ الدفاع المشترك، ومع احتمالية توسيعها لتشمل تركيا ومصر، يمكن مقاربة هذا التحالف من زاوية مزاياه الاستراتيجية. فعلى المستوى السياسي، تتشكل شبكة أمان قائمة على تحسن غير مسبوق في العلاقات البينية، حيث نشطت منذ قمة الدوحة الإسلامية العلاقات الثنائية والجماعية بين الدول الأربع، لتصبح قاطرة للعمل داخل منظمة التعاون الإسلامي، مدفوعة بروح التضامن في مواجهة الأزمات، وبالانتقال من منطق الاصطفافات القومية الضيقة إلى تغليب المصالح المشتركة القائمة على الضرورة الأمنية والتكامل الاقتصادي.

ومن زاوية أساسية، يسهم هذا التحالف في تعزيز ضبط الأمن الإقليمي، إذ يمكن تحديد أهدافه على مستويين: أولهما العمل كمظلة أمان في حال اندلاع مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، بما يتيح لهذه الدول—إلى جانب مصر—تقييد أي توجه أمريكي أو إسرائيلي نحو حرب شاملة ضد إيران أو أي دولة إقليمية. أما المستوى الثاني، فيتمثل في الانخراط الفاعل في دعم مسار وقف الحرب في غزة، والدفع باتجاه إحياء حل الدولتين.

وعلى أي حال، تمثل تجربة التحالف الدفاعي نموذجاً لبناء الثقة السياسية المستندة إلى القدرات الاقتصادية والسكانية، وتعكس توجهاً متزايداً نحو الحماية الذاتية والتكامل الدفاعي الإقليمي، لسد الفجوات الأمنية ومواكبة التحولات العالمية، في ظل تعدد مصادر التهديد التي تواجه القوى الإقليمية.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق