غير مصنف

مستقبل غزة في ميزان التحولات الإقليمية: قراءة حول الرؤية التركية

الكاتب: حمزة قورقماز

لم تعد غزة مجرد ساحة مواجهة عسكرية أو أزمة إنسانية متكررة، بل غدت مرآة صافية لاختلال النظام الدولي، ومختبرًا حقيقيًا لقدرة القوى الإقليمية على صياغة مقاربات جديدة تتجاوز منطق الإدارة المؤقتة للصراع. وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية التركية لمستقبل غزة بوصفها واحدة من أكثر المقاربات تماسكًا على مستوى المبادئ، وإن كانت تصطدم بحدود الواقع الدولي القائم على موازين القوة لا على العدالة.

أولًا: غزة ليست ملفًا إنسانيًا بل قضية سيادة

تنطلق المقاربة التركية من رفض جوهري لاختزال غزة في بعدها الإنساني أو الإغاثي. فأنقرة ترى أن تحويل غزة إلى “قضية مساعدات” هو بحد ذاته جزء من المشكلة، لأنه يسمح باستمرار الحصار والاحتلال مع تخفيف كلفتهما الأخلاقية على المجتمع الدولي. من هذا المنظور، تؤكد تركيا أن أي حديث عن مستقبل غزة يجب أن يبدأ من رفع الحصار، وإنهاء منطق العقاب الجماعي، وربط القطاع سياسيًا وقانونيًا بالكيان الفلسطيني العام، لا التعامل معه كوحدة منفصلة قابلة للإدارة أو الاحتواء. وهذا الموقف يضعها في تعارض مباشر مع أطروحات دولية تسعى إلى حلول تقنية مؤقتة، تتجنب جذور الصراع.

ثانيًا: رفض الوصاية وإدارة ما بعد الحرب

تُبدي تركيا تحفظًا واضحًا إزاء السيناريوهات المطروحة لما يسمى “اليوم التالي” في غزة، خاصة تلك التي تتحدث عن إدارة دولية، أو ترتيبات أمنية بإشراف أطراف خارجية، أو إعادة إنتاج سلطة منزوعة السيادة. الرؤية التركية هنا حاسمة نسبيًا: غزة لا يمكن أن تُدار من خارج إرادة الفلسطينيين، وأي صيغة لا تستند إلى تمثيل فلسطيني حقيقي، ولا تفتح أفقًا سياسيًا واضحًا، لن تؤدي إلا إلى تثبيت الانفجار القادم. هذا الموقف لا ينبع فقط من اعتبارات أخلاقية، بل من قراءة سياسية مفادها أن الاستقرار القسري لا يصمد في بيئة يسودها الظلم البنيوي، وأن أمن إسرائيل نفسه – من منظور واقعي – لن يتحقق عبر إخضاع غزة، بل عبر حل سياسي شامل.

ثالثًا: المقاومة في الخطاب التركي… شرعية محسوبة لا عبثية

تميّز الموقف التركي بإصراره على الفصل بين الإرهاب وحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في المقاومة. وهو موقف يكتسب أهمية خاصة في ظل سعي أطراف غربية إلى تجريم أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية. لكن تركيا، في الوقت نفسه، لا تتعامل مع المقاومة بوصفها غاية بذاتها، بل كنتاج طبيعي لانسداد الأفق السياسي. ومن هنا، فإن دعمها السياسي للمقاومة لا ينفصل عن دعوتها المتكررة إلى مسار سياسي عادل، يُنهي الحاجة إلى العسكرة بدل الاكتفاء بإدانتها. هذا التوازن، الذي يجمع بين الاعتراف بالشرعية والحرص على عدم الانزلاق إلى الفوضى، يعكس مقاربة دولة تدرك تعقيدات النظام الدولي، لكنها ترفض الخضوع الكامل لمنطقه.

رابعًا: غزة في الحسابات الإقليمية التركية

لا يمكن فصل موقف أنقرة من غزة عن رؤيتها الأوسع لدورها الإقليمي. فتركيا ترى أن استمرار المأساة في غزة ليس مجرد فشل أخلاقي دولي، بل عامل عدم استقرار إقليمي دائم، يهدد بإعادة تشكيل المنطقة على أسس فوضوية. ومن هذا المنطلق، تسعى تركيا إلى لعب دور الفاعل الموازن: لا طرفًا صداميًا مباشرًا، ولا شاهد زور صامتًا. فهي تستخدم أدواتها الدبلوماسية، وعلاقاتها المتشابكة، وحضورها في المنظمات الدولية، للحفاظ على القضية الفلسطينية في مركز الاهتمام، ومنع فرض تسويات قسرية. صحيح أن هذا الدور لا يصل إلى حد فرض الوقائع، لكنه – مقارنة بغيره – يحافظ على حد أدنى من التوازن في بيئة تميل بقوة لصالح الاحتلال.

خامسًا: ما الذي تراهن عليه تركيا فعليًا؟

الرهان التركي الأساسي لا يقوم على انتصار عسكري في غزة، بل على تحول سياسي تدريجي يفرض نفسه مع الزمن. ويتجلى هذا الرهان في:

  • منع تصفية القضية الفلسطينية عبر حلول جزئية.
  • ربط إعادة إعمار غزة برفع الحصار لا بتكريسه.
  • الدفع نحو صيغة سياسية شاملة، مهما بدا أفقها بعيدًا.

وتدرك أنقرة أن هذا المسار طويل ومليء بالعوائق، لكنها ترى أن البديل – أي الاستسلام لمنطق القوة المجردة – لن يجلب استقرارًا لا لغزة ولا للمنطقة.

موقف دولة لا تملك كل الأدوات لكنها ترفض الصمت

قد لا تكون الرؤية التركية لمستقبل غزة قادرة وحدها على تغيير المعادلة، لكنها تكتسب أهميتها من كونها ترفض التطبيع مع الظلم، وتصرّ على إبقاء السياسة في قلب النقاش، في زمن يُراد فيه لغزة أن تبقى جرحًا مُدارًا لا قضية مُحلّة. وفي عالم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه القيم، يصبح هذا الموقف – رغم محدوديته – أحد آخر الخطوط الفاصلة بين إدارة المأساة والسعي، ولو ببطء، إلى إنهائها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق