مقالاتمقالات رأيوجهات نظر

الجزائر والأزمة الفلسطينية الداخلية

تمهيد:

حمل احتفال الجزائر بالذكرى الستين لاستقلالها العديد من الرسائل الخارجية، كان أبرزها حضور الطرفين الرئيسيين في الأزمة الفلسطينية الداخلية ممثلين في محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية واسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. حيث التقطت صورة رمزية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يتوسطهما ويمسك بيديهما. باستثناء تلك الصورة، لم تصدر أي تصريحات بخصوص ما أفضى إليه هذا اللقاء حول حل معضلة الإنقسام بين أقطاب الأزمة الفلسطينية، وهذا أمر طبيعي كون اللقاء جاء على هامش الاحتفال بعيد استقلال الجزائر، وليس في أجندته الرسمية أي محاور بخصوص الملف الفلسطيني. لكن السؤال الذي يطرح في هذا السياق يكمن في مدى قدرة الجزائر على القيام بدور فعال يزيح العقبات التي تحول دون توصل الفرقاء الفلسطينيين إلى تسوية تعيد توحيد الصف الوطني في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي؟

أزمة مركبة

تتسم الأزمة الفلسطينية بالتعقيد الشديد لأسباب داخلية وخارجية فضلا عن الاحتلال الإسرائيلي، فالانقسام الفلسطيني في سياقه الداخلي تكمن أبرز معضلاته في تناقض المشارب الأيديولوجية لمكوناته السياسية، وتصوراتها للعلاقة مع الاحتلال وكيفية مواجهته، كما يستحوذ كل منهما على مجال جغرافي يمارسه فيه سلطته، وبالتالي يجعله أكثر استقلالية عن الطرف الآخر، وأقل استعداداً للتنازل عن سلطته للطرف الآخر الذي قد يسعى لإقصاء الآخر عند امتلاكه أدوات القوة. وفي السياق الخارجي، فإن كل الأطراف مرتبطة بقوى إقليمية ودولية تمارس ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة على حلفائها بما يخدم مصالحها وحساباتها الجيوسياسية، والتي من بينها استمرار الانقسام الفلسطيني أو استحواذ حليفها على السلطة  وتمثيل الشعب الفلسطيني رسمياً واقصاء وتهميش المكونات الأخرى.

لا تخلو الأزمات التي تشهدها الدول من التباينات الداخلية والحسابات الخارجية والتي تعيق في الكثير من الأحيان جهود حلها، وتتميز الحالة الفلسطينية عن غيرها بوجود طرف ثالث ممثلاً في الاحتلال الإسرائيلي الذي يمكن اعتباره من العوامل الداخلية والخارجية في الوقت نفسه بوصفه احتلالاً يمارس تأثيراً كبيراً من خلال وجوده على الأرض، وأيضا عبر علاقاته الدولية ومصالحه المتداخلة مع قوى اقليمية ودولية. تأسيساً على هذا، فإنه عند محاولة قراءة الدور الجزائري في الأزمة الفلسطينية، يجب الأخذ بعين الاعتبار التعقيد المحيط بالملف ومدى صعوبة التوفيق بين كل هذه الأبعاد وانعكاساتها على صناع القرار “الوطني” الفلسطيني.[1]

نقاط قوة الجزائر

تمتلك الجزائر بعض نقاط القوة التي تتيح لها المجال للدفع بالأزمة الفلسطينية نحو الحل لعل أهمها ما يلي:

المسافة الواحدة من أطراف النزاع:

تقف الجزائر على مسافة واحدة من أطراف النزاع، فخلال كل التطورات التي عرفتها الأزمة الفلسطينية لم تنحاز الجزائر إلى أحد الفرقاء على حساب الآخر، ورغم بروز اسمها في مرحلة من المراحل كمتضرر إلا أنها مع ذلك لم تتخذ أي قرارات أو مواقف معادية لهذا الفريق أو ذاك. وكانت ومازالت جميع الاتجاهات الفلسطينية مرحب بها في الجزائر، ويتم التعامل معها وفق القنوات الرسمية، كما أنها الجزائر أكدت دائما على الحوار لتجاوز الأزمة. هذه الخلفية تجعل منها محل تقدير واحترام من مختلف الأطراف، وتؤهلها للقيام بدور الوسيط الحقيقي الذي يعتبر “الحياد” أهم خاصية يجب أن تتوفر فيه، وهو ما تحوزه الجزائر، مما يجعلها المكان والطرف المناسب لأي حوار جدي وحقيقي يهدف إلى تحقيق المصلحة الفلسطينية. وقد انعكس ذلك في مشاركة مختلف الفصائل الفلسطينية في حوار غير مباشر رعته الجزائر خلال مطلع سنة 2022؛ ثم مشاركة محمود عباس واسماعيل هنية في ذكرى الاستقلال وجلوسهما إلى جانب الرئيس الجزائري.

التناسق مع مبادئ السياسة الخارجية

لا يمكن نفي وجود مصلحة خاصة بالجزائر كدولة من هذا الدور الذي تريد القيام به في الملف الفلسطيني، فمن الواضح توقيت رعايتها للحوار الفلسطيني جاء بُعيد التطبيع المغربي مع الاحتلال الإسرائيلي والاتفاقية الأمنية بين الطرفتين التي اعتبرتها الجزائر تهديداً مباشراً لأمنها القومي، كما أن أهم الرسائل في ذكرى الاستقلال كانت موجهة بشكل خاص إلى المملكة المغربية نظراً للتأزم الذي عرفته العلاقة بين البلدين في المرحلة الأخيرة. غير أن ما يجدر الإشارة إليه في هذا الإطار، أن التحرك الجزائري لا يتعارض مع مبادئ سياستها الخارجية، فهي أثبتت قولاً وفعلاً أنها مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتؤكد مراراً وتكراراً على ضرورة الحوار والأدوات السلمية لحل الخلافات خاصة الداخلية منها، كما تصر على اشراك جميع أطراف الأزمة وعدم اقصائها في أي حوار، وهذا ما ميز مواقفها في كل أزمات دول الجوار كمالي وليبيا وتونس. وموقفها من الاحتلال عموماً، والاحتلال الإسرائيلي خصوصاً ليس بالجديد، وبذلك فإن تحركها الأخير تأكيد على مبادئ سياستها الخارجية، ولا يوجد أي تناقض يدفع للتشكيك في ما تقومه به اتجاه الأزمة الفلسطينية؛ فتاريخيا ًكانت الجزائر تفتح أبوابها للفلسطينيين في كل الأوقات؛ وعند الأزمات تحديداً تشرعها ولعل أبرز الأمثلة على ذلك احتضانها في 1988 لمؤتمر انبثق عنه إعلان ميلاد دولة فلسطين.[2]

عودة الدبلوماسية الجزائرية

مرت السياسة الخارجية في العقد الأخير بمرحلة من الغياب الذي كان نتيجة حتمية لغياب رئيس الجمهورية السابق عبد العزيز بوتفليقة عن المشهد السياسي بسبب مرضه، وبعد التغيير السياسي الذي حصل سنة 2019 وما رافقه من تطورات وصولاً إلى انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون، نجم عنها عودة السلطة التنفيذية ممثلة في مؤسسة الرئاسة إلى ممارسة دورها في العملية السياسية خاصة على المستوى الخارجي، وبهذا فمن المتوقع أن تعرف الدبلوماسية الجزائرية نشاطاً وحركية تختلف جزئياً عن ما كان سائداً قبل 2019. بناء عليه، فمن المتوقع أن تكون هناك متابعة للقضية من طرف الخارجية الجزائرية، وإيلائها أهمية كبيرة لأنها جدولت ضمن أولويات برنامج القمة العربية المزمع عقدها في الجزائر خلال شهر نوفمبر القادم. فقد سبق أن شدد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على أن “القضية الفلسطينية ستكون في صلب القمة العربية المقبلة في الجزائر[3]؛ لذلك من المرجح أن تكثف جهود الحوار بين الفرقاء الفلسطينيين للتوصل إلى اتفاق قبيل موعد القمة العربية التي تعول عليها الجزائر لتأكيد عودتها للساحة الإقليمية والدولية.

البيت الفلسطيني والحل النهائي

تبقى الأزمة في المحصلة الأخيرة فلسطينية، والحل بيد الفلسطينيين أنفسهم، وكل م يسطيع الوسيط فعله هو توفير بيئة مناسبة للحوار، والمساهمة في تقريب وجهات النظر إلى حد ما. لذلك فإنه لا يجب رفع سقف أفق التوقع والانتظار كثيراً من الدور الجزائري في حل القضية. ويبقى قبول الأطراف الفلسطينية للوساطة الجزائرية من عدمه مؤشراً على مدى جديتها في البحث عن حلول حقيقية للأزمة، لأن ما هو مؤكد أن الجزائر محل اجماع من طرف الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، وهي الفضاء الأنسب لاحتضان أي مفاوضات وجلسات حوار وطني يفضي إلى حل لأزمة أنهكت جميع الأطراف، وضاعفت من حجم معاناة الشعب الفلسطيني وزادت من ضعفه أمام الاحتلال الإسرائيلي. ولعل هذا الانهاك الذي تعاني منه كل الفصائل الفلسطينية من أهم الأسباب التي قد تدفعها للتنازل والاستجابة للمبادرة الجزائرية.


([1]) لتفاصيل أكثر حول التحديات التي تواجه المبادرة الجزائرية لحل الأزمة الفلسطينية الداخلية بسبب التعقيد المشار إليه أعلاه ينظر: محمد أبو الفضل، الجزائر تبدأ حوار الفصائل الفلسطينية بعيدا عن نتائجه في القاهرة، موقع العرب، 16/01/2022، على الرابط: https://bit.ly/3PrBZj7

([2]) لتفاصيل أكثر حول الموقف الجزائري من القضية الفلسطينية والتطبيع ينظر على سبيل المثال لا الحصر: عبد الرحيم رحموني وشمس الهدى نجاح، الجزائر بين ثنائية قداسة القضية الفلسطينية والرفض المطلق للتطبيع مع إسرائيل، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 281، خريف 2020، ص85-89.

([3]) الجزائر تعلن انطلاق مشوار المصالحة الفلسطينية، موقع روسيا اليوم، 31/01/ 2022، على الرابط: https://bit.ly/3Pd3Cw6

الوسوم
اظهر المزيد

يحيى بوزيدي

يحيى بوزيدي، باحث سياسي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق