
المقاربة “الإسرائيلية” لخلفيات وأبعاد قرار مجلس الأمن 2803
منذ صدور قرار مجلس الأمن 2803 المتعلق بوقف الحرب في غزة وإدارة المرحلة الانتقالية نحو تسوية سياسية أوسع، فتح القرار الباب أمام موجة واسعة من النقاشات داخل “إسرائيل” وفي الإقليم حول مستقبل غزة، ودور القوى الإقليمية، ومسار حلّ الدولتين، وحدود تدخل الأطراف الدولية في إدارة القطاع وإعادة إعماره.
في هذا السياق، تحاول هذه الورقة تقديم قراءة تحليلية معمّقة في الجدل الإسرائيلي الداخلي حول القرار، واستكشاف كيفية مقاربة مراكز البحث وصنّاع القرار في تل أبيب للأدوار الخليجية والتركية والقطرية والمصرية والأردنية، إضافة إلى رصد مخاوف المعارضة الإسرائيلية من مسار تدويل القضية الفلسطينية. كما يتناول التقرير السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة، وانعكاساتها على الأمن الإقليمي، ومستقبل العلاقات الفلسطينية–الإسرائيلية، وحدود تأثير القرار الدولي في إعادة تشكيل موازين القوى داخل غزة والمنطقة.
قبل صدور قرار مجلس الأمن، ثار جدل داخل دولة الاحتلال حول شروط وقف الحرب والدور الإقليمي في المرحلة التالية لوقف الحرب، وقد امتد هذا النقاش لما بعد صدور القرار، ليعكس انقساماً واضحاً بشأن قرار مجلس الأمن الدولي المقدم من الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يُصادق على خطة الرئيس الجمهوري ترامب المتعلقة بوقف الحرب في غزة مروراً بمراحل متدرجة من أجل الوصول إلى الحلول السياسية.
الموقف الإسرائيلي من القوى الإقليمية
في ضوء المشاركة الإقليمية والدولية الواسعة في مستقبل قطاع غزة عبر البحث عن نشر القوات الدولية وإعادة الإعمار التي تنتظر الدخول في المرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، بدأت العديد من المعاهد والدراسات الإسرائيلية في تقييم تلك الأدوار الإقليمية ومستقبل علاقاتها مع إسرائيل، خاصةً وأن تل أبيب لديها طموحات مُعلنة لتغيير وجه الشرق الأوسط بما يخدم الأيديولوجية الدينية لليمين الصهيوني، ويُبقي على حظوظ نتنياهو سياسياً. لهذا يركز التقرير على تقييم علاقات إسرائيل بالقوى الإقليمية بناءً على ما صدر من دراسات وتحليلات “إسرائيلية” مهمة خلال شهر نوفمبر 2025.
وفقاً لدراسة معهد الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب الصادرة في 4 نوفمبر 2025، فإن كلاً من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لديهما قدرة اقتصادية ودبلوماسية كبيرة للمشاركة في استمرار وقف إطلاق النار والحفاظ عليه، خاصةً وأن هذه الدول تتمسك بضرورة نزع سلاح حماس ونقل السلطة في الأراضي الفلسطينية، مع ربط عملية نقل السلطة بما تجريه السلطة الفلسطينية من إصلاحات إدارية عميقة لمؤسساتها. بينما تحاول كلٌّ من قطر وتركيا المشاركة في جهود الوساطة دون أي شروط صارمة على الأطراف الفلسطينية، وهذا ما تخشاه “إسرائيل”، لأنها تعتقد أن تحفّز كلٍّ من تركيا وقطر للمشاركة دون أي شروط صارمة ضد الفلسطينيين سيكون على حساب الدورين السعودي والإماراتي، لأن طبيعة المواقف التركية–القطرية من شأنها تعزيز نفوذهما في غزة والأراضي الفلسطينية.
لذلك ترى “إسرائيل” أن هذا الواقع الجديد يخلق معضلة استراتيجية، لأنها إذا رفضت منح السلطة الفلسطينية دوراً واضحاً أو تقدماً في ملف حلّ الدولتين، فستكون فرص السعودية والإمارات أقل، وهو ما سيعزز النفوذ التركي–القطري في غزة، وهذا ما يمكن أن تكون له تداعيات أمنية على “إسرائيل” مستقبلاً.
أما بالنسبة لتقرير معهد الأمن القومي الصادر في 11 نوفمبر 2025، فيرى أن التوسع الخليجي السعودي–الإماراتي في القارة الإفريقية مسألة مهمة بالنسبة لـ”إسرائيل”، لأن هذا التوسع سيكون على حساب النفوذ الإيراني، خاصةً وأن “إسرائيل” تتطلع إلى تعزيز التعاون مع هذه القوى لتحقيق مصالح أمنية مشتركة مضادة للنفوذ الإيراني.
من ناحية أخرى، تُصنّف التقارير الاستراتيجية “الإسرائيلية” العلاقة مع الأردن ومصر باعتبارها علاقات تقليدية لم يطرأ عليها الكثير من التغيرات بعد الحرب على غزة، لذلك لا تحظى هذه الأطراف باهتمام بحثي إسرائيلي كبير مقارنةً مع المحاور الجديدة: الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية باعتبارهما جزءاً من محور الاعتدال الإقليمي أو العربي، مقابل “محور الوساطة” الإقليمي وفقاً للتصنيف “الإسرائيلي”، الذي ينظر إلى أدوار تركيا وقطر باعتبارهما محور وساطة لا يعمل بالتنسيق مع محور الاعتدال، لأنه يحاول تعزيز نفوذه في غزة، وهو ما يشكل إزعاجاً بالنسبة لـ”إسرائيل” التي لا تزال ترى في محور المقاومة قائماً ويشكل تهديداً أمنياً بالنسبة لها.
لهذا تحاول الدراسات “الإسرائيلية” وضع سيناريوهات للمرحلة المقبلة المتعلقة بالتدخل الإقليمي في قطاع غزة على وجه الخصوص ومستقبل العلاقات الفلسطينية–”الإسرائيلية” بشكل عام. حيث ترى أن هناك سيناريو يمكن أن يعزز الاستقرار النسبي في الأراضي الفلسطينية، وهو تدخل كافة الأطراف الإقليمية وخصوصاً المملكة العربية السعودية والإمارات، وذلك من خلال التنسيق المباشر مع “إسرائيل”.
أما السيناريو الثاني، وهو الأسوأ بالنسبة لـ”إسرائيل”، فهو المتعلق بتعزيز الدور التركي في غزة، وهذا السيناريو يمكن حدوثه في حال رفضت حكومة اليمين “الإسرائيلية” تقديم أي تنازلات سياسية للسعودية والإمارات في الملف الفلسطيني، كما يمكن أن يتعزز أيضاً في حال نجاح القوى الإقليمية في إقناع الإدارة الأمريكية بالمزيد من الضغط على “إسرائيل”.
وأخيراً، فإن سيناريو الجمود أو بقاء الوضع القائم يبقى حاضراً في التفكير “الإسرائيلي”، لأن حكومة اليمين “الإسرائيلية” تسعى بكل السبل لتجاوز أي ضغوط خارجية بهدف منع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وحينها ستكون “إسرائيل” في مواجهة أي جهود إقليمية.
الانقسامات حول قرار مجلس الأمن
من جانبها استقبلت حكومة نتنياهو القرار الدولي بالصمت، ولم يعلّق نتنياهو على القرار الدولي إلا بعد 24 ساعة، معرباً عن ترحيبه ودعمه للقرار الدولي حيث اعتبره نتاجاً لشجاعة وتضحيات الجيش الإسرائيلي ــ على حدّ وصفه ــ مؤكداً أن القرار الدولي سيضمن لـ”إسرائيل” نزع السلاح في غزة، ويعزز من اندماج “إسرائيل” في المنطقة العربية، موجهاً شكره للرئيس الأمريكي الذي يعمل بهذا القرار على توسيع اتفاقيات أبراهام التي تضمن السلام والازدهار في الشرق الأوسط.
وتفسر صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الدولة الفلسطينية في قرار مجلس الأمن شديدة الغموض، وهذا ما دفع نتنياهو للترحيب بالقرار، لأنه لم يجد فيه أي تهديد واضح يؤثر على مستقبل “إسرائيل”، وخصوصاً مع التطرق إلى الصلاحيات الواسعة التي أعطاها القرار للإدارة الأمريكية والمتعلقة بمستقبل قطاع غزة، خاصةً وأن القرار يغيب أي جدول زمني لعودة الحكم الفلسطيني في غزة، كما يتجاهل القرار الوضع المتفجر في الضفة الغربية، وهذا ما تعتبره “إسرائيل” عموماً من إيجابيات القرار الدولي، لأنه لم يوحِّد بشكل صريح بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وترك الأمر إلى المستقبل.
وعلى العكس من ذلك، اعتبرت قيادة اليمين “الإسرائيلي” التي تقود المعارضة، وخصوصاً أفيغدور ليبرمان رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، أن القرار الدولي كان نتاجاً لفشل حكومة نتنياهو، لأنه عزز من دور الإقليم على حساب “إسرائيل”، فالعديد من دول الإقليم كالسعودية وتركيا حصلت على أسلحة أمريكية متطورة باعتبارها حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا على عكس رغبة “إسرائيل”.
أما رئيس المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد فقد نظر للقرار الدولي بطريقة مختلفة، لأنه ربط بين القرار ومستقبل الدولة الفلسطينية، موضحاً أن القرار الدولي يمكن أن يعيد فتح مسار تدويل ملف الدولة الفلسطينية، معتبراً القرار بحد ذاته نوعاً من الضغط السياسي الأمريكي على الحكومة الإسرائيلية، لأن الرئيس الأمريكي بهذه الخطوة يكون قد أوقف سياسة الفصل المدمّر بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهي سياسة اتبعتها “إسرائيل” لمرحلة طويلة من عمر الصراع.
لهذا، يقول رومان يانوشيفسكي رئيس تحرير موقع القناة التاسعة العبرية، إن تصويت مجلس الأمن الدولي على قرار يتعلق بقطاع غزة، واستقباله بشيء من القلق إسرائيلياً، يحقق رغبة العرب، لأن تضمّن القرار الدولي إشارات تفيد بإمكانية قيام دولة فلسطينية يُعدّ أمراً مهماً بالنسبة للعرب، لأنهم يريدون أن يروا في الأفق وميض ذلك السراب المرتجف. أما الطريق من هذا السراب إلى إقامة دولة فلسطين عملياً، فهو طويل وشاق ومتعرج، ولا أحد يعلم ما الذي قد يحدث خلال هذا المسار. وهنا يذكّر الكاتب بأن السلطة الفلسطينية تأسست عام 1994 بالطريقة نفسها تقريباً، كخطوة أولى على طريق إقامة الدولة الفلسطينية، وحتى هذه اللحظة لم ينجح الفلسطينيون في تحقيق أي شيء على طريق الدولة.
كان واضحاً أن التخوف الإسرائيلي الأساس من مسألة تدويل القضية الفلسطينية، حيث أجمعت وسائل الإعلام وقيادات المعارضة بكافة أطيافها على خطورة هذه المسألة، مع ربط هذا الأمر بأمن “إسرائيل”، لأن وجود القوات الدولية في غزة يضعف من قدرة “إسرائيل” على الدفاع عن نفسها. وبشكل عام تركزت مخاوف المعارضة “الإسرائيلية” في عدة محاور:
أولها: يكمن في فقدان “إسرائيل” جزءاً من سيادتها في غزة بسبب دخول الأطراف الدولية.
أما التخوف الثاني: فيتعلق بترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي، لأن تطبيق القرار يمكن أن يوحد بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهو ما قد يفتح الطريق أمام الدولة الفلسطينية.
وحول التخوف الثالث: فتعتقد المعارضة “الإسرائيلية” أن القرار بحد ذاته يؤثر على صورة “إسرائيل” ويظهر ضعفها أمام محيطها وأمام المجتمع الدولي، لأنها تبدو غير قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية.
وأخيراً: تعتبر المعارضة أن القرار الدولي يمكن أن يفتح المجال أمام التوازنات الإقليمية، وهذا لن يكون في مصلحة “إسرائيل”، خصوصاً وأن العديد من دول المنطقة تتسابق على المشاركة في تطبيق القرار عبر القوات الدولية وإعادة إعمار غزة، وهو ما يفتح المجال واسعاً للنفوذ التركي والقطري وأطراف أخرى في قطاع غزة.
المقاربة “الإسرائيلية” لخلفيات وأبعاد قرار مجلس الأمن 2803
وعلى الرغم من كل هذه التخوفات “الإسرائيلية”، إلا أن الخطاب الإعلامي الذي تعتمد عليه المعارضة، والذي يحمل نتنياهو مسؤولية القرار الدولي، لا يخلو من أسباب انتخابية داخلية بعيداً عن واقع القرار ومدى تأثيره السلبي على “إسرائيل”، خاصةً وأن الدولة الفلسطينية غير واضحة في القرار، وهي بحاجة إلى طريق طويل سوف تحاول “إسرائيل” التخلص منه أو إغلاقه من خلال الاستمرار في ضمّ الضفة الغربية، والتركيز على توسيع اتفاقيات أبراهام خلال المرحلة المقبلة، خاصةً وأن القرار يُعطي العديد من الدول العربية الراغبة في التطبيع مع “إسرائيل” فرصة تاريخية ومناسبة لاستئناف عملية التطبيع، باعتبار أن التطبيع يأتي كجزء من عملية السلام الجاري تطبيقها بما يشمل الدولة الفلسطينية المجهولة.
