تقرير فلسطينمؤشر فلسطينتقدير الموقف

الخطط العربية لغزة تحت تهديد الحرب

 وبينما تتجه أحداث ما بعد القمة العربية، يستأنف الاحتلال العدوان على غزة، ما يفتح الباب أمام فوضى السياسة الإقليمية وتزايد الصعوبات أمام الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار. وقد بدأ تغير الموقف الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إغلاق المعابر وانتهى بشن هجمات على المدنيين في غزة تحت ذرائع واهية. ويتناول هذا التقرير مواقف الأطراف المختلفة من خطة الاعمار العربية، وتقديم قراءة للاتجاهات المختلفة من السير نحو هيكلة العلاقات الفلسطينية والعربية في ظل التحديات التي يفرضها الانفلات الأمريكي والإسرائيلي.

الفلسطينيون والقمة العربية والإعمار

في الوقت الراهن، تبذل الدول العربية جهوداً حثيثة لتوحيد الصف الفلسطيني لمواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تفكيك الكيانية الفلسطينية وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وقد تجلى هذا المسعى في مداولات القمة العربية الطارئة الأخيرة، التي شهدت طرح الخطة العربية المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة، كبديلٍ استراتيجي عن سيناريوهات التهجير المطروحة أمريكياً واسرائيلياً. كما تعمل على اتخاذ جملة من الترتيبات الإدارية والأمنية بهدف تعزيز دور السلطة الفلسطينية في القطاع، عبر تشكيل إدارة مؤقتة لمدة ستة أشهر، وهو ما حظي بترحيب رسمي فصائلي فلسطيني وفي مقدمتها حركة حماس. وفي هذا السياق، يرصد التقرير مواقف مختلف الأطراف الفلسطينية إزاء هذه المستجدات وانعكاساتها على المسار السياسي الجاري. 

إعادة هيكلة المكون القيادي الفلسطيني 

كشفت القمة العربية الطارئة عن خطة تشمل ترتيبات ادارية وأمنية تهدف لمنع مخطط تهجير سكان قطاع غزة، أو تهميش دور السلطة الفلسطينية في إدارة المشهد. وفي هذا السياق، ترمي الدول العربية إلى ترميم النظام السياسي الفلسطيني، لا سيّما التفاهمات الفصائلية في القاهرة بخصوص المصالحة، وبالتالي ضمان وجود مرجعية سياسية فلسطينية تقود إلى إعادة استئناف مسار محادثات حل الدولتين مستقبلاً. 

ويأتي قرار “محمود عباس” بالعفو العام عن جميع المفصولين من حركة فتح، ضمن الجهود العربية الساعية إلى إفشال المخططات الإسرائيلية بتفكيك المكون السياسي الفلسطيني. ويتكامل هذا القرار مع خطوات أخرى، أبرزها استحداث مناصب قيادية جديدة بتوفير المناخ المناسب للوحدة الوطنية، وعلى رأسها منصب نائب رئيس منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، لضمان تماسك النظام السياسي الفلسطيني في مواجهة التحديات المقبلة خاصة ما يتعلق باحتمالات الفراغ السياسي. 

ليس من المتوقع أن يلقى قرار العفو القبول الداخلي المطلوب، خاصة وأنه جاء استجابةً لضغوط عربية مورست على قيادة السلطة الفلسطينية، في إطار ترتيبات القمة العربية الطارئة، لكنه يفتح الطريق لمناقشة توحيد الحركة الوطنية وإعادة هيكلتها.

ومن الواضح أن الاحتلال يترجم رفضه للخطة العربية المصرية اجرائياً على أرض الواقع من خلال تعطيل مسار المفاوضات حول المراحل المتبقية من اتفاق وقف إطلاق النار، باعتباره خطوة ضرورية للشروع في تنفيذ مخرجات القمة العربية في سياق خطة إعادة الإعمار وتكوين اللجنة الإدارية المؤقتة للقطاع. ويعرقل الاحتلال مسار المفاوضات سواء برفض المقترحات المطروحة، أو التنصل من إيفاء أي التزامات سابقة تخص تفاهمات المرحلة الأولى؛ إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية، والانسحاب الإسرائيلي من محور فيلادلفيا، وذلك ما أكدت عليه حركة حماس كشرطٍ أساسي مقدّم لأي تفاهمات أو مقترحات حالية لتمديد وقف إطلاق النار.

التفاوض الأمريكي – الحمساوي

شهد الأسبوع المنصرم تطورات غير مسبوقة في ملف التفاوض، تمثلت في قيام المبعوث الامريكي لشؤون الرهائن، آدم بولر، بإجراء جولات تفاوضية مباشرة مع قيادة حركة حماس دون مشاركة الوفد الإسرائيلي، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في المستوى السياسي الاسرائيلي، اُلغي على إثرها ترشيح مولر كمبعوث للرهائن، في خطوة تعكس حجم الغضب الإسرائيلي إزاء المسار التفاوضي الأمريكي المنفرد. 

وتُدرك حركة حماس أن وقع هذه المفاوضات المباشرة مع الأمريكان جاء ايجابياً في إعادة تفعيل مسار المفاوضات مع دولة الاحتلال حول اتفاق وقف إطلاق النار، حيث اضطر بنيامين نتنياهو على إثر تسريب خبر التفاوض الأمريكي – الحمساوي المباشر إلى إرسال الوفد الاسرائيلي لاستئناف المحادثات بشأن مقترح تبادل أسرى أحياء أو أموات مقابل الافراج عن أسرى فلسطينيين وتمديد وقف إطلاق النار لعدة أشهر أخرى. 

وفي السياق نفسه، اتخذت السلطة الفلسطينية موقفاً معارضاً لأي اتصالات تجريها حركة حماس مع أطراف أجنبية خارج الإطار الرسمي الفلسطيني، في إشارة إلى المفاوضات السرية غير المباشرة التي أجرتها مع المبعوث الأمريكي بولر. حيث استنكر الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة ذلك، مشيراً إلى أنه يتعارض مع أحكام القانون الفلسطيني الذي يجرم التخابر مع جهات أجنبية، واعتبر تزامن التفاوض مع القمة العربية الطارئة التفافاً على مخرجاتها، لا سيّما الخطة العربية المصرية حول قطاع غزة. 

ومن جانبٍ آخر، اتهمت حركة حماس السلطة الفلسطينية بمساعدة إسرائيل على تحقيق أهدافها العسكرية على حساب المقاومة، وذلك إثر قيام أجهزة أمن السلطة على قتل أحد عناصر المقاومة البارزين في مدينة جنين، وهو ما اعتبره البعض محاولةً من قيادة السلطة لخلط الأوراق،

الضغط الإسرائيلي و مناورة حماس في المفاوضات

في ظل المستجدات الراهنة، تدرك الأوساط الإسرائيلية صعوبة استئناف الضغط العسكري الميداني الشامل، خاصة في ظل التفاعلات الداخلية المعقدة. وبدلًا من ذلك، لجأ الاحتلال إلى أساليب ضغط بديلة تهدف إلى التأثير على مسار المفاوضات، ودفع حركة حماس نحو تقديم تنازلات تفضي إلى قبول مقترح إطلاق سراح عدد من الأسرى الأحياء مقابل تمديد وقف إطلاق النار.

بالتوازي مع ذلك، يواصل الاحتلال تهيئة الأجواء لمواجهة عسكرية محتملة عبر تصعيد تدريجي بأساليب متعددة. بدأ ذلك بقطع الكهرباء والمياه، تلاه إغلاق المعابر كإحدى أدوات الخنق الاقتصادي والإنساني، وصولًا إلى تنفيذ ضربات جوية عنيفة استهدفت مناطق متفرقة من قطاع غزة خلال الأيام الماضية، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء، بينهم 150 طفلًا، وهو الرقم الأعلى منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر.

كما صعّد الاحتلال عمليات الاغتيال، مستهدفًا قيادات سياسية وإدارية بارزة في حركة حماس، من بينهم رئيس اللجنة الإدارية في قطاع غزة، عصام الدعليس، الذي انتُخب حديثًا قائدًا للحركة في القطاع. ويشير هذا النهج إلى استمرار الاحتلال في سعيه لمنع حماس من إعادة ترتيب صفوفها، مع إبقاء هدف التهجير حاضرًا، وإغراق غزة في مستنقع الفوضى كجزء من استراتيجيته المستمرة.

من المتوقع أن تتصاعد وتيرة الضغوط الإسرائيلية خلال الأيام المقبلة، خاصة في حال عدم تحقيق أي تقدم في المفاوضات بشأن مقترح يتكوف الأخير بما يخدم مصالح الاحتلال. وقد يشمل ذلك تكثيف الضربات الجوية والمدفعية المحدودة كوسيلة للضغط على حركة حماس، وهو سيناريو تمت مناقشته خلال اجتماعات أمنية ترأسها بنيامين نتنياهو.

في المقابل، تسعى حركة حماس إلى تضمين أي تفاهمات محتملة شروطًا تضمن السماح بعودة من غادر القطاع قبل وأثناء وبعد الحرب، في محاولة منها لإفشال مساعي التهجير القسري. وكانت آخر هذه المحاولات قيام جيش الاحتلال بالضغط على عائلات فلسطينية لدفعها إلى الهجرة، وسط توقعات بأن تسعى إسرائيل إلى تقديم تسهيلات تُشجع على ذلك، وفق تقارير نقلتها صحيفة الشرق الأوسط عن مسؤولين في الحركة.

على أي حال، تدرك الأطراف الفلسطينية المختلفة حجم التحديات الراهنة، خاصة فيما يتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار بكافة مراحله. إذ تعتمد الحلول المطروحة ضمن الخطة العربية المصرية على إنهاء الحرب كشرط أساسي، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الرفض الإسرائيلي. وعليه، ينبغي على الدول العربية تفعيل أدوات ضغط أكثر تأثيرًا، تتجاوز حدود الصياغة النظرية للمبادرات، بحيث لا يقتصر دورها على تقديم الخطط والقبول بها كبديل عن المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى التصفية السياسية والجغرافية والديموغرافية للمكون الفلسطيني.

وتتجلى هذه المخططات بشكل واضح في الضفة الغربية، حيث تتصاعد الإجراءات الاستيطانية وعمليات التهجير الممنهج لسكان مخيمات شمال الضفة، في محاولة لفرض واقع جديد يُعطّل أي إمكانية مستقبلية للتسوية على أساس حل الدولتين، ما يشكل تحديًا جوهريًا قد يُفشل مخرجات القمة العربية الطارئة ويقوض أي جهد دبلوماسي لتحقيق حل عادل ومستدام.

الموقف الإسرائيلي من الرؤية العربية حول مستقبل غزة

والرؤية (المصرية) العربية حول مستقبل قطاع غزة الذي عبرت عنه القمة العربية الطارئة المنعقدة في العاصمة المصرية القاهرة في 4 مارس/ آذار 2025،

تربط إسرائيل بين الذهاب إلى المرحلة الثانية من إتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وسلاح حماس، لذلك اعتادت رفض أي اتفاق مرحلي قد يقودها إلى المرحلة الثانية، حيث يستند نتنياهو وحكومته على موقف الإدارة الأمريكية الذي يستهدف وجود حركة حماس وسلاحها في قطاع غزة. ولذلك، بدا المضي في الاتفاق هشاً وقابلاً للتوقف في أي مرحلة، ليكن استئناف العدوان مرة أخرى ضمن بدائل الاحتلال.

رفض إسرائيل الكيانية السياسية الفلسطينية

خلال الأشهر الأولى من الحرب على غزة أكد نتنياهو وأركان حكومته على رفضهم لأي شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، وقد أكد نتنياهو على رفضه لفتحستان أو حماسستان في غزة، وهذا ما عبرت عنه الخارجية الإسرائيلية في ردها الأول على قرارات القمة العربية الطارئة بشأن إعادة إعمار غزة، ودور السلطة الفلسطينية، حيث يؤكد بيان الخارجية الإسرائيلية على رفض أي وجود لحماس في غزة، مؤكداً أيضاً على رفض السلطة الفلسطينية ووكالة الغوث الأونروا باعتبارها جهات فاسدة، ولا يمكن لإسرائيل الموافقة على وجودهما مستقبلاً في غزة.

في السياق ذاته اعتمد بيان الخارجية الإسرائيلية على الرؤية الأمريكية حول تهجير سكان قطاع غزة، فقد عززت مقترحات ترامب بشأن غزة من ذلك الموقف الرسمي والحزبي في إسرائيل، خاصةً وأن الإدارة الحالية الأمريكية انتقلت من مرحلة إزدواجية المعايير التي كانت تعترف خلالها بوجود دولة فلسطينية دون اتخاذ أي خطوات إيجابية في هذا المسار، إلى مرحلة الانحياز الكامل لإسرائيل، دون أي إعتراف بحق الشعب الفلسطيني.

لهذا، لم يقتصر الموقف الإسرائيلي على ذلك الرد الرسمي الرافض لذلك التوجه العربي، لأن موقف الخارجية الإسرائيلية حظى على تفاعل وسائل الإعلام الإسرائيلي الداعم لموقف ترامب، حيث يقول عمري حاييم في القناة 14 أن الخطة المصرية لا أمل منها، لأنها تتعارض مع مشروع تهجير سكان قطاع غزة، وتُبقي على حركة حماس في المشهد الفلسطيني، وتمهد لإعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة.

لقد وصل الأمر بالإعلام الإسرائيلي إلى توجيه التهديد إلى الجانب المصري، إذ تقول سمدار بيري في صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن تلك الخطة المصرية تضع “كامب ديفيد” على المحك، خصوصا في حال قررت إسرائيل استئناف الحرب على غزة، وكذلك يضع إسرائيل أمام تحديات جديدة بالشرق الأوسط حتى وإن حظيت بدعم ترامب.

وبالرغم من قناعة غالبية الإسرائيليين بصعوبة تطبيق خطة ترامب، إلا أن الجميع رفضوا الخطة العربية، وحتى إن كانت الخطة المصرية العربية تؤكد على الرفض العربي العام للتهجير، وهذا ما قد يقوي من الموقف العربي الرافض للتهجير، إلا أن إبقاء الحكومة الإسرائيلية على سيناريو عودة الحرب على قطاع غزة تراه الغالبية في إسرائيل عاملاً مساعداً لتنفيذ رؤية ترامب وتهجير سكان قطاع غزة. 

لهذا يقول أرييل كهانا في صحيفة يسرائيل هيوم، إلى أن إسرائيل ترفض الخطة العربية لحل أزمة غزة، وتحافظ على إستمرار الأزمة الحالية بهدف تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وهذا ما يؤكد عليه رئيس هيئة الأركان الجديد في الجيش الإسرائيلي إيال زامير، مؤكداً على أن إسرائيل قد تستأنف القتال من جديد بما يتفق مع تعليمات واشنطن.

نتنياهو والضغوط الأمريكية

في إطار المفاوضات الأمريكية المباشرة مع حركة حماس، أبدت الأخيرة مرونة على مستوى تمديد المرحلة الأولى مقابل الإنسحاب العسكري الإسرائيلي من فيلادلفيا، وهو ما رفضته حكومته نتنياهو، وشنت هجومها على آدم بوهلر المبعوث الأمريكي لشؤون الرهائن، في الوقت ذاته أشارت العديد من المصادر الإسرائيلية الى إنزعاج نتنياهو وحكومته من تلك الخطوة الأمريكية المتعلقة بالتفاوض مع حماس، لذلك أشارت مصادر عدة إلى وقوف إسرائيل خلف إقالة أدم بوهلر، خاصةً وأن تصريحاته كانت تتعارض مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي بشأن تطور المفاوضات مع حماس.

لهذا تتخوف إسرائيل من أن يقود ذلك المسار الأمريكي إلى المرحلة الثانية وما يمكن أن يترتب عليها من نجاح الخطة المصرية العربية، خاصةً وأن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن غزة تبدو في تراجع مستمر، فقد بدأ تصريحاته بضرورة تهجير سكان قطاع غزة، وأصبح الآن يتحدث عن عدم إجبار سكان غزة على الهجرة.

على النقيض من ذلك، ترى بعض التحليلات في إسرائيل أن التفاوض الأمريكي المباشر مع حماس قد يخفف من الضغوط الداخلية على بنيامين نتنياهو، خاصة أن الخطاب الإعلامي والتصريحات الرسمية في إسرائيل تربط استمرار الحرب في غزة بالتوجهات الأمريكية. إضافة إلى ذلك، فإن الوصول إلى اتفاق مع حماس، حتى في ظل رفض اليمين الإسرائيلي، قد يكون أمرًا يمكن لنتنياهو القبول به، خاصة مع إمكانية إقناع القوى اليمينية المتطرفة بضرورة الحفاظ على العلاقة مع الإدارة الأمريكية، والاضطرار إلى قبول الاتفاق باعتباره نتاجًا مباشرًا للضغوط الأمريكية، التي كانت عاملًا حاسمًا في إقرار المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في غزة.

في هذا السياق، يبقى نجاح الخطة المصرية العربية رهينًا بمدى فاعلية القنوات المفتوحة بين المقاومة من جهة، وإسرائيل والإدارة الأمريكية من جهة أخرى، فضلًا عن مستوى التنسيق الذي يحققه الوسطاء الإقليميون في إدارة هذا المسار. في المقابل، يدرك الاحتلال جيدًا أهمية هذا التساند الإقليمي، وهو ما يدفعه إلى العمل على تقويض أي فرص للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار أو الشروع في خطة الإعمار، في محاولة منه لإفشال أي مسار قد يحدّ من استراتيجيته العسكرية والسياسية في غزة.

الإقليم والإعمار والحرب

على المستوى الإقليمي؛ العربي والإسلامي، تمكنت الدول من إحداث تغييرات جوهرية، جاء في مقدمتها القدرة على استمرار عمل اللجنة السباعية على مساعدة المقاومة ومنع تصنيفها منظمة إرهابية، والانخراط المباشر في الوساطة الإيجابية من منظور أن فلسطين هي جزء من الأمن الإقليمي، وقد وضح هذا في تحدي مصر لخطة ترامب ودعوة الدول العربية لتأييد خطة بديلة تحظى بإجماع عربي وإسلامي. حالياً، تعمل اللجنة السباعية على بناء تحالف مستمر لدعم الوصول للدولة الفلسطينية، وخلال الفترة اللاحقة على انعقاد القمة العربية واجتماع وزراء خارجية “التعاون الإسلامي” بدأت تتضح ملامح العمل الجماعي لإسناد القضية الفلسطينية.

على مستوى القمة العربية، قامت المشاورات على توفير ضمانات الإعمار وحماية مراحله، بحيث لا تنشب حرب أخرى تهدم ما يتم بناؤه. ولذلك، كانت الاشتراطات واضحة في العمل ضمن مظلة دولية ونشر قوات حفظ سلام دولية لا تخل بالوصول لحل الدولتين.

قبل أيام كان إغلاق المعابر إعلاناً عن انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، ولذلك، كان طبيعياً استئناف الاحتلال الحرب مرة أخرى، ضمن تنسيق أمريكي ـ إسرائيلي، ما يؤشر على انتهاء الوساطة بشكلها السابق، حيث صار الانحياز الأمريكي سافراً وخياراً استراتيجياً لدعم خطة التهجير وفق الرؤية المشتركة بين الطرفين والقائمة على خلق الظروف الصعبة التي تؤدي لإكراه سكان القطاع على المغادرة بطرق أخرى غير الحدود المصرية أو الأردنية.

منذ وصول ترامب، كان نَسج التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي واضحاً، لم يقتصر على اقتراحات التهجير التعسفية، ولكنه امتد لإعادة شن الحرب في أكثر من منطقة، حيث شن الحرب على اليمن قبل أيام قليلة من استئناف العدوان على غزة، وخلال هذه التحضيرات، كان حديث المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف، عن الإفراج عن الأسرى بدون شروط مؤشراً على تفضيل العودة للحرب، ومد الاحتلال بأسلحة نوعية وفتاكة استعداداً لحروب واسعة.

بعد انتهاء أعمال القمة، سعت المجموعة العربية لهيكلة العمل على خطة الإعمار، شارك وزراء خارجية قطر ومصر والسعودية والأردن ووزير الدولة بالخارجية الإماراتية وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماع مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط “ستيفين ويتكوف” بالدوحة في 12 مارس 2025 لمناقشة تطورات الوضع فى قطاع غزة والخطة العربية لإعادة الإعمار. جاء هذا الاجتماع في سياق توافق وزراء خارجية “التعاون الإسلامي” على العمل المشترك وتفعيل اللجنة السباعية وتوفير متطلبات الإعمار.

ورغم توافق الطرفين العربي والأمريكي، فإن استئناف الاحتلال الحرب على القطاع يطيح بأي ضمانات لحماية عملية الإعمار، وهي نفس المخاطر السابقة التي عانت منها التهدئة في السنوات السابقة، حيث أدى العدوان المتكرر على غزة لهدم ما تم بناؤه. لا تبعث هذه الأحداث على الثقة في أي التزامات مستقبلية فيما يخص الدولة الفلسطينية، وخصوصاً مع المراوغة الأمريكية بعدم التهجير واحترام الخطة العربية، وخاصة ما يتعلق بتمكين الدول العربية بتأهيل هياكل السلطة الفلسطينية أو ضمانات بوجود دور دولي على الأراضي الفلسطينية.

على أية حال، يضع التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي التعاون الإقليمي في خانة رد الفعل، بحيث لا يتمكن من المبادرة باتخاذ موقف سريع وجماعي من تجدد العدوان. وقد استفاد الاحتلال من تباطؤ التحرك العربي والإسلامي في التصدي للتلويح الأمريكي بالتهجير، وأيضاً، من تباطؤ المصالحة الوطنية، وهي كلها عوامل تعمل على تسهيل استئناف للحرب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق