
إعادة احتلال غزة: مواجهة جديدة في حرب مفتوحة
شهدت الأسابيع الماضية توقفاً مفاجئاً لمسار مفاوضات وقف إطلاق النار، إثر انسحاب الوفدين الإسرائيلي والأمريكي بذريعة ما اعتبروه “تعنت” حركة حماس، في خطوة وفّرت لنتنياهو غطاءً لتبرير مخططٍ لإعادة احتلال قطاع غزة بالكامل. تزامن ذلك مع تحول واسع في الخطاب الرسمي الغربي الذي تبلور سريعاً بشكلٍ عملي في السعي إلى الاعتراف بدولة فلسطين والدفع بمسار دولي لتنفيذ حل الدولتين. ويتناول التقرير خلفيات قرار الاحتلال والمواقف الداخلية منه، كما يعرض لاتجاهات الفلسطينيين من التحرك العسكري المحتمل، وذلك بالإضافة لمواقف الدول العربية وتركيا إزاء القضايا المتشابكة، وخصوصاً إعادة الاحتلال والتهجير بصفتها مشكلات مترابطة.
أولاً: الموقف الإسرائيلي من إعادة احتلال قطاع غزة
وبعد إفشال حكومة اليمين في إسرائيل لجولة التفاوض الأخيرة، مستغلة في ذلك تجدد فضيحة إبستين وتداعياتها الداخلية على البيت الأبيض، اتجه نتنياهو الى تمرير قرار إعادة احتلال قطاع غزة، على أن يكون ذلك على مراحل تصل في نهاية المطاف الى إجبار سكان القطاع على الهجرة، وهو ما يجري التخطيط له إسرائيلياً مع العديد من الدول، وأخرها دولة جنوب السودان وفقاً لما أوضحته صحيفة هأارتس الإسرائيلية في 13 أغسطس 2025.
الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري
وفقاً لما نُشر عن الحكومة الإسرائيلية أنها تنوي احتلال كامل لقطاع غزة، مع استبدال كلمة احتلال بالسيطرة لأسباب قانونية، على أن تبدأ عملية الاحتلال لشمال القطاع بعد إجبار كافة السكان على النزوح الى وسط وجنوب القطاع.
بالرغم من التحذير الإعلامية والخلاف الجاري مع المستوى العسكري، إلا أن نتنياهو بات أكثر تحفزاً لهذه الخطوة، لأنه يعتقد أنها تحقق له أهدافه المعلنة، المتعلقة بالنصر المطلق على المقاومة في غزة، وهذا ما يخدم رؤية اليمين الإسرائيلي عموماً، والساعي الى إعادة استيطان قطاع غزة، وهو ما يعبر عنه إيتمار بن غفير بشكل علني. لهذا وعلى الرغم من الجدل الإسرائيلي الدائر حول هذه المسألة، قرر نتنياهو خلال الساعات الأخيرة تسريع خطة الاحتلال، وهو ما يتعارض مع رؤية رئيس الأركان الذي يرى أن إعادة احتلال غزة سيحتاج الى عامين إضافيين، فضلاً عن أنه سيعرض أسرى الاحتلال الى الخطر، وهذا ما يفسر تلك الاحتجاجات التي تشهدها إسرائيل منذ الإعلان عن هذه الخطوة.
في سياق متصل يقول ايال زامير رئيس أركان الاحتلال أن الجيش ليس مستعداً لاحتلال غزة، لأنه منهك، كما أن الاليات العسكرية بحاجة الى صيانه، خاصةً وأن العقوبات الغربية كان لها تأثيرها الواضح على القطع العسكرية التي تستوردها إسرائيل مع دول أوروبية مختلفة، إضافةً الى حالة النقص في أعداد الجيش، خاصةً وأن الاحتجاجات في صفوف الجيش تتصاعد من وقت لأخر، لكن كل هذه الأسباب لم تحول دون اتخاذ القرار السياسي الذي أوصى بضرورة احتلال قطاع غزة خلال الأشهر القليلة الماضية.
موقف المعارضة
انحصر موقف المعارضة الإسرائيلية في التداعيات الاقتصادية التي سوف تنعكس على إسرائيل، خاصةً وأنها ستكون مضطرة لوضع قطاع غزة تحت حكم الإدارة المدنية في حال الاقدام على احتلاله، وهذا يكبد الحكومة الإسرائيلية المزيد من الأعباء الاقتصادية، فضلاً عن مواجهة الرأي العام والضغوط الدولية المتزايدة، حيث تحذر المدعية العامة العسكرية من تلك التبعات القانونية، لأن إسرائيل ستكون مجبرة على توفير الخدمات الأساسية لسكان قطاع غزة، فضلاً عن الضغط الدولي الواسع، وهنا يتفق يائير لبيد رئيس المعارضة مع المدعية العامة، لأنه يرى في إعادة احتلال القطاع خطراً على إسرائيل، معتقداً انها سوف تمس أمنها القومي، وستعرض حياة جيشها وأسراها في غزة الى الخطر، خلافاً لتلك التداعيات الاقتصادية.
لهذا تشير تقديرات إعلامية في إسرائيل أن تداعيات إعادة احتلال القطاع لن تقتصر على دوائر صنع القرار في إسرائيل، بل ستكون على حساب حياة الإسرائيليين اليومية من حيث تكاليف المعيشة، والتنقل، والسفر، مما يفاقم من حالة القلق الشعبي حيال استمرار الحرب.
الاحتلال كاستراتيجية سياسية
بشكل عام، يهدف هذا المخطط إلى استخدام الضغط الميداني العسكري كأداة لانتزاع تنازلات تفاوضية عميقة تتجاوز وقف الحرب أو الانسحاب الجزئي، في اتجاه إعادة صياغة المشهد الفلسطيني بما يتوافق مع مخططات الاحتلال. وقد قوبل هذا المُخطط بموجة جدلٍ واسعةٍ على مستوى الداخل الإسرائيلي وعلى المستويين الإقليمي والدولي بسبب التداعيات المحتملة.
وعلى الرغم من سخونة الموقف الإسرائيلي الداخلي، إلا أن بعض التحليلات في إسرائيل ترى أن نتنياهو بهذه الخطوة نجح إعلامياً في تحويل الأنظار الداخلية من التركيز على توقيع صفقة مع المقاومة تؤدي الى تحرير المزيد من الأسرى، الى الهجوم العسكري الواسع على قطاع غزة، وهو ما يعيد تعزيز موقع نتنياهو السياسي، وهذا ما عبر عنه يوسي بهوشواع المحلل العسكري في صحيفة يديعوت أوحرونوت، موضحاً أن نتنياهو ليس لديه خطة حقيقية لاحتلال القطاع، بل يستخدم ذلك كوسيلة لكسب المزيد من الوقت بهدف إتمام صفقة تبادل جزئية. وبذلك يكون نتنياهو قد أقنع الرأي العام الإسرائيلي بأنه في إطار الاعداد للهجوم العسكري الواسع على غزة، بغض النظر عن الوصول الى صفقة جزئية محتملة.
خطة غير عملية لاحتلال غزة
حسب التحليلات العسكرية الإسرائيلية على خطة احتلال غزة، يصف عاموس هرئيل هذا القرار بالفجوة الكبيرة، معتقداً صعوبة تنفيذ مثل هذه الخطة ميدانياً، لأن حاجة الجيش الى شهرين قبل احتلال الجزء الشمالي من قطاع غزة سيضع حكومة نتنياهو تحت المزيد من الضغوط الدولية، والأمريكية على وجه الخصوص، مشيراً الى صعوبة الوضع العسكري داخل الجيش الإسرائيلي، وتراجع مستوى استجابة الاحتياط لاستدعاءات قيادة الجيش.
ثانيا: اتجاهات الفلسطينيين إزاء إعادة الاحتلال لغزة
مع هذه الأحداث، تصاعد القلق لدى سكان قطاع غزة من التداعيات العميقة التي قد تنجم من توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية على القطاع، وما قد يتخللها من عمليات قتلٍ ونزوحٍ واسع النطاق ومجاعة متفاقمة، مما دفع الأطراف الفلسطينية إلى تقييم القرار وطرح بدائل للتعامل مع المأزق الراهن.
الموقف الفصائلي
تعتبر حركة حماس أن ما يجري ليس نتيجة لتعثر المفاوضات، بل هو خطة إسرائيلية مبيّتة لإفشالها والدفع نحو التصعيد، خاصةً وأن ردها على المقترح الأخير الذي انسحب على إثره الوفدان الأمريكي والإسرائيلي جاء بالتنسيق مع الوسيطين المصري والقطري، ما ينفي كافة تهم التعطيل المتعمد التي تتذرع بها حكومة الاحتلال. وتشير حركة حماس إلى أن الاحتلال ينتهج سياسة تفاوضية تتسم بالتعنت المدروس لإفشال المفاوضات، لإدامة الحرب، بما يوفر لـ نتنياهو مظلة تُبقي ائتلافه الحكومي في منأى عن الضغوط الداخلية المتصاعدة.
وبخلاف ذلك، حمّل الجهاد الإسلامي الحكومات العربية والغربية مسؤولية التصعيد الجاري في سياق قرار احتلال غزة بالكامل، التي تأتي بدعمٍ كامل من الإدارة الأمريكية لفرض تهجير قسري على سكان قطاع غزة، وهو ما يمكن اعتباره امتداداً لخطة ترامب تحت مسمى “ريفيرا غزة”. فيما شددت الفصائل الأخرى على أن الخطة الإسرائيلية تستهدف تقويض القضية الفلسطينية برمّتها عبر الإبادة والتطهير العرقي، مؤكدةً أن أي إدارة بديلة تابعة للاحتلال في غزة ستُعامل كاحتلال مباشر.
مخطط متعدد الأهداف
رُغم تبلور الهدف المُعلن في تصريحات حكومة الاحتلال لمخطط إعادة الاحتلال لقطاع غزة في سياق القضاء على حركة حماس سلطوياً وعسكرياً، إلا أنه بات جليّاً ما يحمله هذا المخطط من أبعادٍ أخرى تتجاوز ما اُعلن عنه في إطار العملية، لا سيّما وأنها تزامنت مع تصريحات قادة اليمين المتطرف، وعلى رأسهم سموتريتش، الذي أشار إلى أن مخطط نتنياهو المُعلن مخيّب للآمال بسبب عدم ارتباطه بمخطط “الحسم”، وإنما لإدارة القطاع في إطار مخطط الاحتلال. ويعكس ذلك الأبعاد الحقيقية الكامنة وراء التحالف بين اليمين المتطرف ونتنياهو الذي سُرعان ما أكد على الأجندة الأيديولوجية في إطار خطتي “الحسم” وإنشاء “إسرائيل الكبرى”، وهو ما يتوافق مع أجندة اليمين المتطرف.
وبالتوازي، يأتي هذا المخطط في سياق المساعي الإسرائيلية الممنهجة لوأد فرص قيام الدولة الفلسطينية ومسار حل الدولتين الذي عاد إلى الواجهة من جديد مع التنسيق الإقليمي والدولي الواسعين، حيث جرى تزامن الإعلان بين مخططي احتلال غزة وبناء مستوطنة كبيرة وسط الضفة لتقسيمها، مما يقوض عمليّاً أي محاولات لإعادة إحياء مسار حل الدولتين بخلق وقائع على الأرض تعيق تنفيذه، وهو ما تسعى إليه أيضاً حكومة الاحتلال في قطاع غزة عبر تضمين الخطة لتشكيل إدارة مدنية تتبع لها مباشرة، بهدف التحكم بالواقع السيادي والإداري للقطاع بعد الحرب، مما يجعلها رهينةً لواقع الاضطرابات الداخلية والمقاومة المستمرة، مما يُديم حالة عدم الاستقرار وتعطيل متعمّد لملفي إعادة الإعمار وحل الأزمة الإنسانية، وبالتالي تدعيم أرضية تدفع السكان نحو الهجرة الطوعية.
السلطة الفلسطينية بين التهميش الإسرائيلي والاعتراف الدولي
تعي السلطة الفلسطينية أن إقدام حكومة الاحتلال على صياغة مخطط إعادة السيطرة على قطاع غزة باستبعادها من تولي إدارة شؤون القطاع ليس إلا محاولة ممنهجة لتقويض مسار حل الدولتين وإفراغه من مضمونه السياسي. وقد كرر نتنياهو مراراً منذ بدء الحرب أن الإدارة البديلة لقطاع غزة لن تكون حماس أو السلطة، في إشارة واضحة إلى إصراره على إجهاض أي مسار تفاوضي محتمل، وتحييد الضغوط الدولية التي ستنشأ حتماً في حال عادت السلطة إلى القطاع كجهة شرعية معترف بها، مما يُبدد الحُجج الإسرائيلية في تعطيل مسار حل الدولتين.
وفي المقابل، أعاد التحرك الدولي المتسارع لإحياء مسار حل الدولتين وإعادة تمكين السلطة الفلسطينية في كافة المناطق الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة، الشرعية والاعتراف الدوليين لقيادة السلطة الفلسطينية، التي لطالما عانت من التهميش الأمريكي والإسرائيلي المتعمد طيلة فترة الحرب، مما دفعها إلى توظيف هذا الزخم بمحاولة إعادة الانخراط النشط في التطورات ذات الصلة بحرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة على غير المعتاد طيلة الفترة الماضية، معلنةً أن الحل يكمن في تسلّمها إدارة القطاع كخطوة تمهيدية في طريق التسوية السياسية.
ومع هذا التحول الدولي، سرعان ما تبنت قيادة السلطة الفلسطينية توجهاً مغايراً عما سلكته طيلة الحرب الجارية خلال العامين الماضيين، إذ لوحظ استئناف السلطة لدورها في المؤسسات الأممية عبر اللجوء إلى مجلس الأمن للمطالبة بإجراءات ملزمة لوقف حرب الإبادة. إضافةً إلى محاولة تحشيد منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية لتنسيق الجهود ضد مساعي الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية والمكون الفلسطيني ديموغرافياً وسياسياً.
المجتمع الغزّي وكسر الجمود التفاوضي
مع استمرار التذرع الإسرائيلي والأمريكي بتعنت حركة حماس واتهامها بتعطيل مسار التفاوض، تعالت أصوات من المجتمع الغزّي، يقودها نشطاء من المجتمع المدني، تطالب قيادة حركة حماس بضرورة تسليم دفة التفاوض باسم قطاع غزة إلى أطراف عربية قادرة على انتزاع استحقاقات من دولة الاحتلال تُنهي الحرب في إطار المسار الدولي والإقليمي الساعي إلى إعادة تفعيل حل الدولتين، وذلك لقطع الطريق على الاحتلال في التذرع بوجود حركة حماس.
وفي هذا الإطار، تقدّمت الهيئة العليا لشؤون العشائر بنداء عاجل إلى قيادة السلطة الفلسطينية لعقد اجتماع وطني شامل في القاهرة، برعاية مصرية، لتوحيد الصف الداخلي وتشكيل وفد فلسطيني موحد، أو على الأقل اعتماد مصر كـ “مظلّة قيادية” للعملية التفاوضية، وذلك بهدف تحييد الذرائع الإسرائيلية وتسريع وتيرة المحادثات لوقف الحرب والمعاناة الإنسانية التي يعيشها الغزيون تحت وطأة حرب التجويع والإبادة.، مما يعكس حالة اليأس التي اصابت سكان القطاع في ظل استمرار الكلفة الإنسانية من جراء استمرار حرب التجويع والابادة.
وبذلك، يُلاحظ أن الأطراف الفلسطينية تُدرك أن مخطط نتنياهو لإعادة السيطرة على غزة ليس سوى حلقة جديدة في مسعى إسرائيلي يميني لتصفية المكوّن الفلسطيني سياسياً وديموغرافياً، وإجهاض مسار حل الدولتين. وبينما تتمسّك الفصائل بخيار المقاومة ورفض كافة مقترحات نزع السلاح ما دام الاحتلال مستمراً، تتحرك السلطة باتجاه المسار الدبلوماسي الدولي الذي أُعيد تفعيله على نطاقٍ واسع مع الزخم الدولي المتصاعد لدعم مسار حل الدولتين. وعليه، يتحتم على كافة الأطراف الفلسطينية صياغة مقاربة جديدة ومُغايرة تُحسن توظيف الزخم المتصاعد، بما يكسر حالة الجمود التي تنجح حكومة الاحتلال في كل مرة من فرضها على المسار التفاوضي، ويفتح الطريق أمام بلورة موقف وطني لإحباط المساعي الإسرائيلية.
ثالثاً: الإقليم في مواجهة إعادة احتلال غزة
في موازاة تعثر مسار الوساطة، تواجه الدول العربية والإسلامية تداعيات سياسة حكومة الاحتلال اليمنية، وكان أخرها الإعلان عن خدة تدرجية لإعادة احتلال القطاع، لتكون في مواجهة متجددة لدعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم.
واجه عددٌ من الدول هذه السياسة بمستويات مختلفة من التعبير والحراك السياسي. من جهتها، ربطت الحكومة الأردنية، 8 أغسطس 2025، خطة نتنياهو لإعادة احتلال غزة وتوسيع السيطرة العسكرية، بأنها بنسف الجهود الرامية لقف إطلاق النار وإنهاء المعاناة الإنسانية في القطاع الفلسطيني، كما تعمل على تقويض حل الدولتين.
وقد اعتبرت الأردن هذه الخطة استمرارا للخروقات الإسرائيلية الجسيمة للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وخصوصاً ما يتعلق بالإمعان في التجويع والحصار كسلاحٍ ضد الشعب الفلسطيني والاستهداف الممنهج للمؤسسات المدنية والخدمات العامة بالمخالفة لاتفاقية جنيف (1949) الخاصة بحماية المدنيين في وقت الحرب. وهنا، طالب الأردن المجتمع الدولي بالتحرك الفاعل لوقِف العدوان الإسرائيلي، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، كشرط ضروري لتحقيق السلام العادل والشامل,
وفي ذات السياق، أعلنت السعودية 8 أغسطس 2025، قرار احتلال قطاع غزة واستمرار التطهير العرقي. واعتبرت أن مثل هذه القرارات لا تستوعب الارتباط الوجداني والتاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني بهذه الأرض. وفي هذا تؤكد المملكة على ترابط المجتمع الفلسطيني وتمسكه بحقوقه الأصيلة في الأرض.
وبشكل عام، ترى السياسة المصرية سعي حكومة نتنياهو باتخاذ خطة تدرجية لاحتلال القطاع استمراراً لحرب الإبادة بصيغة أخرى. واعتبرها بيان وزارة الخارجية تكريساً لاحتلال غير شرعي للأراضي الفلسطينية، قضاءً على كافة مقومات حياة الشعب الفلسطيني، وتقويض حقه في تقرير مصيره وتجسيد دولته المستقلة وتصفية القضية الفلسطينية. ويخلص الموقف المصري إلى أن سياسة التجويع هي واحدة من أدوات الحرب والتهجير القسري، فهي تدمير ممنهج وإبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. كما أشار إلى ـنه وبالإضافة لنقل المنطقة لحالة الحرب، فإنه يتناقض مع حل الدولتين ويعمل على تقويض السلام، ما يقتضي حراكاً دولياً لوقف تهديد الاستقرار بسبب سعي الاحتلال لفرض أمرٍ واقع من شأنه القضاء على الحقوق الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تبنت مصر سياسة لمكافحة التهجير ليس عبر معبر رفح فقط، ولكن عبر دولة ثالثة، حيث تعتبر مصر أن وجود السكان على أرضهم العامل الأساسي لمنع احتلال القطاع والنضال ضد الاحتلال. وفي هذا الصدد، أجرت وزارة الخارجية اتصالات مع الدول المرشحة لاستقبال أي أعداد من سكان غزة حتى لو كانت محدودة. في وقت سابق من هذا العام، أثنت إندونيسيا عن قبول تهجير مؤقت. وفي أوقات لاحقة، أدرت اتصالات مع الصومال لنفس الغرض. وقد أو ضحت هذه السياسة في بيانات متتالية، كان أخرها الصادر في 17 أغسطس 2025 والذي أكدت فيه على رفض استهداف تفريغ القطاع وسعيها المستمر لتكوين موقف مشترك من الدول العربية والإسلامية.
وتحت موقف فلسطين للفلسطينيين، تشكلت ملامح الموقف التركي من خطا نتنياهو للاحتلال التدريجي لقطاع غزة. وزير الخارجية، هاكان فيدان، (الأناضول، 9 أغسطس 2025)، كشف عن اتجاهات السياسة التركية في شأن المواجهة مع سياسة الاحتلال.
بشكل قاطع، أكدت الخارجية التركية على رفضها القاط لشروع إسرائيل في احتلال القطاع باعتباره مرحلة جديدة من التوسع والإبادة الجماعية، ليكون الموقف التركي أكثر تحديداً، بصفة رئاسة تركيا لمنظمة التعاون الإسلامي، في مخاطبة العالم الإسلامي باعتباره الكتلة التي يمكنها مخاطبة المجتمع الدولي، ولذلك أعلن عن دعوتها لعقد اجتماع ٍ لمناقشة الخطة الإسرائيلية
ورغم خطورة سياسة الاحتلال، لم يظهر موقف مشترك للدول العربية والإسلامية، ربما يرجع هذا لزحمة الأحداث، لكنه يفسر انحسار العبء المباشر على كلٍ من تركيا ومصر في التصدي لهذه المخططات. وخلال لقاءات وزراء الخارجية، تحولت المواقف الفردية لسياسة مشتركة، لتكون مواقف مصر، تركيا، السعودية والأردن متقاربة لحدٍ كبير، ومتوافقة على الدعم المتبادل لوقف محاولات الاحتلال المضي في خطة إعادة الاحتلال.
وفي هذا السياق، كانت محاور المؤتمر الصحفي بين وزيري خارجية مصر وتركيا تعويضاً عن تململ الموقف الجماعي، وكان أهمها ما يتعلق بتوفير الدعم اللازم لبقاء الفلسطينيين، وخاصة بتوفير المساعدات والعمل على إنفاذها للقطاع، كما اعتبر البلدان أن تقوية العلاقات التركية ـ المصرية ضرورية لدعم الموقف الفلسطيني، ولذلك كان الحديث عن تطوير العلاقات المؤسسية.
وفي هذا السياق، وبينما لا يوجد تواصل فعال ما بين المقاومة وكثير من الدول، تلعب مصر وتركيا دوراً مهماً في الاقتراب من التفاصيل اليومية المتعلقة بالوساطة ووقف الحرب وإبقاء المقاومة طرفاً في المفاوضات، رغم بعض الخلافات، حيث تُمثل اجتماعات الفصائل في القاهرة واتصال تركيا بحركة حماس علامات واضحة على منع تقويض الكيانات الفلسطينية والبحث عن حلول مقبولة لإدارة القطاع والوقوف ضد تفريغه من السكان.
وبغض النظر عن قدرة حكومة الاحتلال على المضي في هذا الطريق، تقف الدول العربية أمام تحدي اتخاذ مسار استراتيجي لا تكتفي فيه بالتعامل على التداعيات اليومية للعدوان، ولكن لإعادة توجيه سياستها الخارجية لوقف الحرب ومكافحة التهجير القسري، وأخذ الحديث عن “إسرائيل الكبرى” باعتباره استراتجية إسرائيلية لتوسيع العدوان.