أوراق سياسية

الفلسطينيون والمرحلة الثانية من اتفاق غزة

أعلن الوسطاء الإقليميون والضامن الأمريكي، مطلع شهر كانون الثاني/يناير الجاري، بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتشكيل لجنة تكنوقراط وطنية فلسطينية لتتولى إدارة القطاع لفترة انتقالية، في خطوة كشفت ملامح المرحلة المقبلة التي كان يكتنفها الغموض طيلة الفترة الماضية، وتحديداً منذ الإعلان عن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبدء تطبيق الاتفاق المنبثق عنها في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ويأتي ذلك في ظل تزايد المؤشرات على مساعٍ إسرائيلية لتحويل الوضع الراهن، وفق ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، إلى وضع مستدام يتيح لها حرية العمل العسكري، والإبقاء على سيطرتها الميدانية على الجزء الشرقي من قطاع غزة. وهو ما يفسّر، بوضوح، محاولات الجانب الإسرائيلي إعاقة جهود الوسطاء الإقليميين الثلاثة – تركيا وقطر ومصر – بالتنسيق مع إدارة ترامب، من أجل منع الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

مرونة حماس والفصائل لتثبيت وتنفيذ الاتفاق

يتناغم التقدم الحاصل بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية مع موقف الفصائل الفلسطينية، ولا سيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي. فبحسب المعطيات والمؤشرات كافة، سعت الحركتان إلى إنجاح المرحلة الأولى، وتسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، والشروع في عملية إعادة الإعمار، مع مطالبة الوسطاء بممارسة الضغط اللازم على دولة الاحتلال لثنيها عن خروقاتها المستمرة لوقف إطلاق النار، والتي هدفت، في أحد أبعادها الأساسية، إلى مراكمة العراقيل أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

ووفقاً للعديد من التقارير والتصريحات، أدّت هذه الممارسات الإسرائيلية إلى تصاعد وتيرة القلق الفلسطيني والعربي والدولي حيال نوايا تل أبيب ومدى جديتها في الالتزام بالاتفاق، لا سيّما في ظل التنصل المتعمّد من الوفاء باستحقاقات المرحلة الأولى، رغم الالتزام الكامل من الطرف الفلسطيني بجميع التزاماته.

وفي سياق متصل، وخلال اجتماعات القاهرة الأخيرة منتصف كانون الثاني/يناير الجاري، تبنّت حركة حماس موقفاً إيجابياً تجاه مساعي ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وأبدت مرونة واضحة، إلى جانب باقي الفصائل، حيال الأسماء المقترحة لتشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، كما وافقت على تعديل بعض الأسماء التي اصطدمت بفيتو إسرائيلي أو أمريكي، رغبةً في تجاوز أي تعطيل لمسار تثبيت وقف إطلاق النار.

وسارعت الحركة إلى الإعلان عن استعدادها لتسليم جميع الإدارات والمؤسسات الحكومية في قطاع غزة للجنة الوطنية، وهو ما تبلور عملياً عبر إصدار قرار حكومي رسمي يُلزم مختلف الجهات الإدارية بتسهيل عملية التسليم والتعاون الكامل مع اللجنة الانتقالية المستحدثة، في إطار السعي لإنجاح المرحلة الثانية من الاتفاق.

في المقابل، دفعت السلطة الفلسطينية باتجاه تشكيل اللجنة بما ينسجم مع رؤيتها الرامية إلى تعزيز مرجعيتها، وهو ما تجلّى في رفض حركة فتح، في بادئ الأمر، فكرة تشكيل اللجنة من دون مرجعية فلسطينية رسمية واضحة. غير أن هذا الخلاف جرى تجاوزه سريعاً بجهود مصرية هدفت إلى تقريب وجهات النظر وقطع الطريق أمام المساعي الإسرائيلية الرامية إلى منع أي ارتباط بين اللجنة والسلطة.

ورغم مبادرة السلطة الفلسطينية إلى الترحيب المباشر باللجنة وتسهيل انتقال أعضائها من الضفة الغربية إلى القاهرة لمباشرة مهامهم، فإن هواجسها بشأن مخاطر تحويل الوضع المؤقت للجنة إلى وضع مستدام، بوصفه مشروعاً سياسياً بديلاً، لا تزال قائمة، لا سيّما في ظل التأكيد الإسرائيلي المتكرر على ترسيخ، بل وتأبيد، الانقسام الفلسطيني، بما يقوّض فرص قيام دولة فلسطينية مستقبلاً.

وعموماً، يبقى الموقف المعلن للسلطة الفلسطينية قائماً على اعتبار الترتيبات الداخلية الراهنة مؤقتة وضرورية لتجاوز المخططات الإسرائيلية ومنع نشوء فراغ إداري وسلطوي في القطاع، على أمل ألا تتحول هذه الترتيبات إلى حالة مستدامة، من خلال مراكمة خطوات تمهّد لعودة السلطة إلى إدارة القطاع، ضمن تصور شامل يلحظ إنهاء الانقسام السياسي والجغرافي، وتوحيد المؤسسات في غزة والضفة الغربية.

في المقابل، أكد أعضاء اللجنة بوضوح أن هذه المرحلة انتقالية، وأن عنوانها الرئيسي يتمثل في معالجة ملفات الأزمة الإنسانية المتفاقمة، والشروع في عمليات التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، والتنمية البشرية والاقتصادية في قطاع غزة. وهو ما شدد عليه مراراً رئيس اللجنة، علي شعث، مؤكداً ضرورة التنسيق والتواصل بين غزة والضفة الغربية، مع الإشارة إلى أن تشكيل اللجنة جاء استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 وخطة ترامب للسلام التي وافقت عليها السلطة الفلسطينية.

تحديات المرحلة الثانية ولجنة التكنوقراط

تُدرك حركة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية، وفق تصريحاتها وبياناتها العلنية، أن تحديات المرحلة المقبلة لا تقل تعقيداً عن المرحلة الأولى، التي لم تفِ دولة الاحتلال حتى الآن بكامل استحقاقاتها.

وتشير المعطيات الراهنة إلى إصرار إسرائيلي على المضي قدماً في إفشال مساعي تثبيت وقف إطلاق النار، والتسويف في تنفيذ بنود الاتفاق، وهو ما يتجلى في استمرار الخروقات الميدانية، بالتزامن مع الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط، وبدء المرحلة الثانية، وتشكيل مجلس السلام برعاية إدارة ترامب.

ويزيد هذا الواقع من تعقيد المشهد، ويرفع من حجم التحديات الملقاة على عاتق حركة حماس والفصائل الوطنية الحليفة، لا سيّما فيما يتعلق بضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية والميدانية للضغط على حكومة الاحتلال للإيفاء بتعهداتها، ولا سيما فتح معبر رفح في الاتجاهين، والانسحاب إلى الخطوط المتفق عليها، وتمكين اللجنة الوطنية من إدارة شؤون القطاع وملف إعادة الإعمار دون معوقات.

وبالتوازي، تواجه لجنة التكنوقراط تحديات كبيرة تتصل بآليات عملها في قطاع غزة، في ظل الفيتو الإسرائيلي الذي لا يزال يعيق دخولها إلى القطاع وتولي مهامها المتفق عليها ضمن إطار اتفاق وقف إطلاق النار. وتشير تقارير إسرائيلية إلى رفض حكومة الاحتلال التعامل مع اللجنة أو السماح لها بمباشرة مهامها، بحجة عدم التنسيق المسبق معها بشأن تشكيلها.

في المقابل، تطالب حركة حماس وباقي الفصائل الوسطاء بممارسة الضغط اللازم على الطرف الإسرائيلي لتمكين اللجنة من بدء عملها الميداني في القطاع.

نزع السلاح والانسحاب يعيقان التقدم

مع بدء المرحلة الثانية، تواجه الأطراف الفلسطينية جملة من التحديات المرتبطة بالموقف الإسرائيلي من عدد من الملفات، وفي مقدمتها ملفا نزع السلاح والانسحاب.

إذ تشترط دولة الاحتلال تحقيق تقدم في ملف نزع السلاح مقابل أي انسحاب ميداني والشروع الجدي في إعادة الإعمار، في وقت ما تزال قواتها تسيطر على القسم الشرقي من قطاع غزة، الذي يشكّل قرابة ثلثي مساحة القطاع، ولم تبدأ بعد الانسحاب إلى الخطوط المتفق عليها.

في المقابل، تتمسك حركة حماس بضرورة انسحاب قوات الاحتلال أولاً قبل الخوض في ملف السلاح، وهو موقف يحظى بدعم فصائلي وطني صريح، لا سيّما في ما يتعلق بالحاجة إلى ضمانات جدية تحول دون عودة الحرب والهجمات والعمليات الإسرائيلية بعد أي خطوات تتصل بتفكيك سلاح المقاومة.

وتُظهر تصريحات حركة حماس أن موقفها من ملف نزع السلاح يتموضع ضمن إطار التوافق الوطني، ويقوم على رفض تأطيره في سياق تنازلات مرحلية قصيرة المدى، مقابل التأكيد على ضرورة معالجة جوهر الصراع في إطار تسوية شاملة.

وتفرض هذه القراءة على الحركة اعتماد مناورة تكتيكية تهدف إلى تثبيت الاتفاق وتخفيف حدّة الأزمة الإنسانية، التي باتت الملف الرئيسي على جدول أعمال اللجنة الجديدة، مع إمكانية التعاون في ما يتعلق بآليات ضبط سلاح المقاومة، من دون الشروع فعلياً في نزعه خلال المرحلة المقبلة، لا سيّما في ظل استمرار المؤشرات على التنصل الإسرائيلي من الاستحقاقات المتفق عليها.

وبصورة عامة، يتمحور موقف حماس حول الرفض القاطع لأي ربط بين ملف السلاح والانسحابات الميدانية، والدعوة إلى الدخول في مسار تسوية شاملة لحقوق الشعب الفلسطيني، بمشاركة جميع الأطراف الفلسطينية.

خلاصة

ينطلق الموقف الفلسطيني، بمختلف مستوياته وأطرافه، تجاه التطورات الأخيرة المرتبطة بتشكيل مجلس السلام ولجنة التكنوقراط، من إدراك متزايد لخطورة الواقع الراهن، الذي وضع الفلسطينيين أمام خيارات قاسية وضيقة، مع هامش محدود للمناورة، في ظل تآكل المعادلات التقليدية.

وبات المشهد الفلسطيني محصوراً عملياً بين سيناريوهين حادّين:
الأول، وصاية دولية ناعمة ذات طابع إشرافي مؤقت، قد تفتح لاحقاً مساراً سياسياً نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير، في حال التنفيذ الأمين والشامل لاتفاق وقف إطلاق النار، بما في ذلك المرحلة الثالثة شبه المنسية، التي تتضمن الأفق السياسي.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في احتلال إسرائيلي قاسٍ يكرّس واقعاً عسكرياً وميدانياً وإدارياً يلغي أي كيانية وطنية فلسطينية، ويفتح الباب واسعاً أمام الاستيطان والتهجير في غزة والضفة الغربية، وصولاً إلى التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، وفق مخطط الحسم الذي يتبناه اليمين المتطرف في إسرائيل.

وأمام هذه التحديات، يجد الفلسطينيون أنفسهم، بمختلف توجهاتهم، أمام ضرورة، بل حتمية، التوافق والعمل المشترك، وتكثيف الضغوط الدولية على دولة الاحتلال للالتزام باستحقاقات الاتفاق بمراحله كافة، في ظل محاولاتها المتواصلة لتعطيل مسار وقف إطلاق النار، ومنع استكمال متطلبات المرحلة الأولى، رغم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية، فضلاً عن تعطيل عمل لجنة التكنوقراط الوطنية ومنع دخولها إلى القطاع.

وعليه، يبدو نجاح المرحلة الثانية، بما في ذلك تمكين لجنة التكنوقراط من أداء مهامها، مرهوناً عملياً بمدى استجابة الطرف الإسرائيلي للضغوط المتصاعدة خلال الأيام المقبلة، ولا سيّما في ما يتعلق بانسحاب قواته، ووقف خروقاته المستمرة، والشروع الجدي في عمليات الإيواء العاجل، والتعافي المبكر، وإعادة الإعمار. وهو ما تتابعه حركة حماس وباقي الفصائل بحذر شديد، على المستويين الميداني والسياسي، لتفويت الفرصة على الاحتلال لجرّ الأوضاع نحو مربع التصعيد مجدداً، عبر مواصلة اللجوء إلى الوسطاء الإقليميين والضامن الأمريكي لممارسة الضغط اللازم على حكومة الاحتلال. ورغم التقدم في تشكيل اللجنة الوطنية وتجاوز الخلافات الداخلية والفيتوهات الإسرائيلية والأمريكية، لا تزال مباشرة مهامها عملياً وميدانياً مرهونة بدور وتأثير الأطراف الفاعلة في مجلس السلام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق