قراءة في معركة "سيف القدس" النتائج والتداعيات
استمع إلى هذا المحتوى صوتياً
26 دقيقة قراءة • قارئ ذكي مدمج
قراءة في معركة "سيف القدس" النتائج والتداعياتلقراءة المادة "هنا" أعلنت الفصائل الفلسطينية وحكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي عن قبول العرض المصري بوقف إطلاق النار في غزة، بعد 11 يوم على إعلان الحكومة الإسرائيلية عن بدء عملية عسكرية من خلال سلاح الجو تستهدف قطاع غزة، وذلك في أعقاب ضربة صاروخية نفذتها كتائب القسام لمدينة القدس رداً على الاستفزازات الإسرائيلية في المدينة وعمليات التهويد هناك. خلفية الأحداث: من الشيخ جراح إلى باب العامود. خلال الشهور الماضية بات قرابة 25 عائلة فلسطينية تقطن في حي الشيخ جراح بالقدس، تواجه خطراً حقيقياً بالتشريد بعد قرارات متتالية للمحاكم الإسرائيلية إجلاءهم عن منازلهم بغية تسليمها لصالح الجمعيات الاستيطانية الإسرائيلية، حيث أخذت الأمور منحاً تصاعدياً مع تسليم السلطات الإسرائيلية إشعارات بالإخلاء لعدد من العائلات بناء على قرار المحكمة المركزية الإسرائيلية، ليحدث القرار موجة متصاعدة من الغضب الذي تراكم طيلة عقود سابقة نتيجة سياسات التهويد التي مارستها الحكومة الإسرائيلية ضد السكان المقدسيين. بلغت حدة الغضب الشعبي ذروته مع دخول شهر رمضان المبارك، وازدياد الاستفزازات الإسرائيلية للفلسطينيين، فضلًا عن قطع شرطة الاحتلال كوابل مكبرات الصوت عن المسجد الأقصى في الليلة الأولى من رمضان، ثم محاولات إخلاء باب العامود من المصلين، ومنع إقامة الشعائر الدينية التي تقام سنوياً خلال شهر رمضان، لتبدأ مناوشات حقيقية بين المقدسيين من جهة والشرطة الإسرائيلية والمستوطنين من جهة أخرى، أسفرت عن تراجع السلطات الإسرائيلية عن قرارها بإغلاق باب العامود في وجه المصلين، بعد امتداد المواجهات لساحات المسجد الأقصى والمناطق المحيطة وكذلك حي الشيخ جراح، الأمر الذي شكّل دفعة معنوية كبيرة لصمود الفلسطينيين. من تأجيل الانتخابات، إلى تهديد أبو خالد الضيف. تزامن التصعيد في مدينة القدس، مع قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "أبو مازن" إلغاء الانتخابات العامة التي كان مقرر لها أن تنطلق في 22 مايو، بذريعة رفض الاحتلال الإسرائيلي إجراءها في القدس، وهو القرار الذي أجج الغضب الفلسطيني تجاه السلطة الفلسطينية، ومنح شرعية لدعوات الاشتباك مع دولة الاحتلال من أجل فرض الانتخابات في المدينة مع تصاعد حالة الغليان السائدة هناك. فيما كان المتغير الأبرز الذي ساعد ربما في تطور مسار المواجهات، هو هتافات المقدسيين لقائد هيئة أركان كتائب القسام محمد الضيف "أبو خالد"، ومطالبات المقاومة في غزة بالتدخل، وهي المطالبات التي أثمرت لاحقاً بخروج نادر للضيف، عبر تصريح مقتضب هدد فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي "بدفع الثمن غالياً" حال استمر عدوانها على أهالي الشيخ جراح. بتهديدات الضيف، تكون حماس قد قررت بشكل فعّال الانخراط في مواجهة التهديدات الإسرائيلية للسكّان المقدسيين وخاصة في حي الشيخ جراح. وأخيرًا، بدأت المعركة. بدت الأحداث تأخذ طابعاً أكثر سخونة مع استمرار المناوشات بين الفلسطينيين من جهة وشرطة الاحتلال والمستوطنين من جهة أخرى، وإعلان المستوطنين نيتهم إطلاق مسيرة الأعلام في ذكرى احتلال إسرائيل لشرقي القدس عام 1967، إضافة إلى التجهيز لما سمي "الاقتحام الكبير" للمسجد الأقصى بمشاركة أكثر من 30 ألف مستوطن، في يوم 28 رمضان، الموافق 10 مايو الذي شهد أحداثاً ساخنة أثرت في المشهد الفلسطيني ككل. مع حلول ساعات المساء؛ أصدرت كتائب القسام على لسان الناطق باسمها "أبو عبيدة" تهديداً لدولة الاحتلال، أمهلها فيه حتى الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم، لسحب الجنود والمستوطنين من المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، والإفراج عن كافة المعتقلين خلال هبة القدس خلال شهر رمضان. تهديدات المقاومة الفلسطينية التي أمهلت فيه الاحتلال ساعتين عملياً لتنفيذ مطلبين أساسيين، قوبلت برفض إسرائيلي، حيث أصرت وزارة الداخلية على السماح بفعاليات مسيرة الأعلام للمستوطنين، مع قرار بتحويل مسار المسيرة تجنباً للاحتكاك بالفلسطينيين الذين رابطوا بالآلاف في المسجد الأقصى ومحيطه وكذلك حي الشيخ جراح. وبعد دقيقية واحدة من انتهاء المهلة، أعلنت كتائب القسام عن توجيه ضربة صاروخية لمدينة القدس، تلاها إعلان سرايا القدس وفصائل المقاومة استهداف مواقع إسرائيلية في غلاف غزة، ليرد بعدها جيش الاحتلال بإطلاق عملية عسكرية ضد قطاع غزة سمّاها "حارس الأسوار"، استهلها بقصف عشرات الأهداف التي أسفرت عن ارتقاء شهداء بينهم أطفال، فيما لم يتأخر رد المقاومة كثيراً التي أطلقت بدورها عملية "سيف القدس" للرد على العدوان الإسرائيلي. خلال المعركة، أطلقت المقاومة وفقاً لمعلومات إسرائيلية 4360صاروخ وقذيفة، فيما نفذ جيش الاحتلال غارات عنيفة ومكثفة بلغت أكثر 1800 غارة استهدفت في معظمها منشآت مدنية ومحمية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 243 فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال. الانعكاسات السياسية والميدانية للمعركة. يمكن القول أن التصعيد بين قوى المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس من جهة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، والذي يعتبر الأعنف منذ عدوان العام 2014، يختلف بصورة كبيرة في دلالاته وتداعيته عن أي جولات تصعيد وعمليات عسكرية سابقة، ويمكن إجمال الفوارق في جملة من المعطيات على النحو التالي:
- انسداد الأفق السياسي الفلسطيني:
- مواجهة على امتداد فلسطين التاريخية:
- تقدم لحماس على حساب فتح:
- التنسيق الفعّال بين قوى المقاومة في غزة:
- فشل استخباري وميداني:
- التطبيع مع دولة الاحتلال؛ مشاريع في مهب الريح:
- الرفض الشعبي للتطبيع: أعادت الأحداث في مدينة القدس وكذلك قطاع غزة، القضية الفلسطينية على سلّم أولويات الشعوب العربية، بعد سنوات طويلة من التراجع بفعل التغيرات الإقليمية التي طرأت على المنطقة خاصة خلال العقد الماضي.
- البعد الأمني: أثير العداء المشترك لإيران كأحد أسباب حرص دول خليجية للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ رأت عواصم خليجية تكن العداء لطهران، إلى كون "إسرائيل" هي الجهة القادرة على مواجهة إيران، متسلحين برصيد كبير من الضربات العسكرية والسيبرانية الناجحة التي وجهتها تل أبيب ضد أهداف إيرانية في الداخل والخارج، كما كانت الصناعات الدفاعية العسكرية الإسرائيلية مثل القبة الحديدية محط إعجاب خليجي، إذ كانت قد أشارت صحيفة سعودية عن توقيع الرياض اتفاقية مع تل أبيب لشراء منظومة القبة الحديدية بوساطة أمريكية، وفيما نفت حينها دولة الاحتلال الخبر، لم يصدر تعقيب عن السعودية، حيث تجدد الحديث عن القبة الحديدية في الخليج بعد موافقة إسرائيلية على نشر المنظومة في عدد من القواعد الأمريكية بمنطقة الخليج، وهي الموافقة المدفوعة بتوقيع اتفاقيتي التطبيع مع كل الإمارات والبحرين.
- التأثير على المشاريع الاقتصادية: كان العامل الاقتصادي أحد الدوافع المهمة لدخول الإمارات في اتفاق تطبيع مع دولة الاحتلال، فيما كان التركيز الأبرز على قطاع الطاقة الذي شهد توقيع اتفاقيتين كبيرتين بين الجانبين، الأول في أكتوبر 2020، بُعيد إبرام اتفاق التطبيع وينص على مساعدة شركة خطوط الأنابيب الإسرائيلية "إي أيه بي سي" (EAPC)، في نقل النفط من الإمارات إلى أوروبا عبر مشروع خط أنابيب إيلات_عسقلان، فيما كان الاتفاق الثاني الموقع في إبريل من العام الجاري وباعت بموجبه شركة "ديليك دريلينج" الإسرائيلية، حصتها في حقل تمار للغاز الطبيعي بشرق البحر المتوسط، الذي يبعد عن شاطئ غزة 20كم، لشركة مبادلة للبترول إحدى شركات الصندوق السيادي لحكومة أبوظبي، مقابل 1.1 مليار دولار.
- انقضاض دولي على صفقة القرن: فرغم عودة الخطاب الدولي بشأن حل الدولتين مع وصول الديمقراطيين مجدداً إلى البيت الأبيض، وتصريحات الأطراف الدولية والإقليمية المتعلقة بالصراع الفلسطيني مع دولة الاحتلال، إلا أن المطالبات الدولية بهذا الحل، قد تكثّفت مؤخراً خلال التصعيد الأخير بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، آخرها تعبير دول عديدة خاصة الكبرى والمؤثرة، عن دعمها حل الدولتين وذلك خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ناقش الأحداث في الأراضي الفلسطينية خاصة قطاع غزة، قبيل ساعات فقط من الإعلان عن وقف إطلاق النار.
- الموقف المصري من الأحداث:
- تطور العلاقة مع حماس: شهدت السنوات الأربع الماضية، تطوراً مضطرداً في علاقة السلطات المصرية بحركة حماس، بعد سنوات من التوتر بين الطرفين عقب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس السابق د.محمد مرسي، وقد ساهمت فعاليات مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار، في تكثيف الدور المصري في قطاع غزة، وقدرتها على كبح جوامح التصعيد بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال، كما عززت القاهرة نفوذها في غزة من خلال سماحها ببقاء الشريان الاقتصادي للحكومة في غزة، المتمثل بالمعبر التجاري في معبر رفح، بما وفر المورد المالي الرئيس والأهم لتغطية نفقات الحكومة بما فيها رواتب موظفيها هناك.
- اتفاقيات التطبيع؛ ومحاولات تجاوز مصر: مع انضمام دول أخرى إلى نادي التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، كانت الأنظار المصرية تتابع بعدم ارتياح تصاعد التعاون الإماراتي مع دولة الاحتلال، خاصة بعد توقيع اتفاق نقل النفط الإماراتي إلى أوروبا عبر مشروع إيلات_عسقلان المشار إليه أعلاه، والذي رأى فيه البعض منافساً بصورة نسبية لقناة السويس، ورغم تقليل مصر من تأثير الخط على القناة، إلا أنها لم تنفِ تأثير المشروع بالمطلق، حيث من المتوقع أن يؤدي تشغيله إلى التأثير على قناة السويس بنسبة تصل إلى 16% من حجم تجارة البترول الخام المتجهة شمالاً، فيما رأى بعض المسؤولين المصريين أن للمشروع تداعيات سلبية على الأمن القومي المصري.
- تعزيز حضور مصر الدولي: مع اندلاع التصعيد الأخير في قطاع غزة، باتت تتجه الأنظار إلى الدور المصري بصورة خاصة، كونها الطرف الأقدر على التفاهم والتأثير على قوى المقاومة في قطاع غزة خاصة حركة حماس، وهي الرؤية التي أيدها استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً من الرئيس الأمريكي جو بايدن، للمرة الأولى منذ وصول الأخير إلى الرئاسة في أمريكا، حيث انصب النقاش على جهود وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
- العامل الاقتصادي: يبدو أن العامل الاقتصادي يتضافر مع جملة الأسباب التي تدفع مصر إلى توسيع تفاعلها مع قطاع غزة، فبعد أقل من شهرين على انتهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، استضافت القاهرة مؤتمراً دولياً لإعادة إعمار قطاع غزة، نتج عنه تعهدات دولية وإقليمية بأكثر من 5 مليار دولار لذات الهدف، حيث شهدت عمليات الإعمار عقبات عديدة تسببت في بطئ كبير في وتيرة إعادة بناء ما دمره العدوان الإسرائيلي، أبرزها القيود التي فرضتها تل أبيب، والقيود المفروضة أيضاً من الجانب المصري، وتراجع عدد كبير من الجهات المانحة عن التزامتها التي تعهدت بها، وأخيراً الانقسام السياسي الفلسطيني الذي أدى إلى نشوب خلافات بين سلطة رام الله وحركة حماس بشأن الإعمار في غزة.
- الموقف الأردني من الأحداث: ربما كان الموقف الأردني من أحداث الشيخ جراح، متفهماً بحكم الوصاية على المقدسات في المدينة، والدور الأردني الخاص في قضية منازل الشيخ جراح، بحكم أنها صاحبة عقود الإيجار للأراضي المقام عليها المنازل المهددة بالإخلاء.
- عودة الزخم الدولي للقضية الفلسطينية: كان التنديد الدولي بالانتهاكات الإسرائيلية في عموم الأرض الفلسطينية وآخرها قطاع غزة، عدا عن الأداء الميداني النوعي للمقاومة في قطاع غزة، دور بارز في تصدر القضية الفلسطينية المشهد بعد تهميشها لسنوات عديدة.
- العلاقة بين السلطة الفلسطينية وحماس:
- المشهد الإقليمي: يمكن القول أن المعركة الأخيرة قد أصابت التطبيع في مقتل؛ إذ خرجت دولة الاحتلال بصورة المهزوم الذي لم يستطع حماية نفسه، فيما أن ردة الفعل الشعبية في العالم العربي، عززت فرضية رفض المزاج الشعبي لفكرة التعايش مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، كما كانت المواقف الدولية الإيجابية نوعاً ما من حركة المقاومة الفلسطينية، مؤشراً هاماً على زيف محاولات تل أبيب تضخيم ذاتها وتأثيرها على المجتمع الغربي أبرزها عجزها الحالي عن الاستمرار في عزل حماس، وسابقاً إيران.
- حماس إلى المشهد الدولي: يمكن الإشارة إلى أن ألسنة اللهب التي تصاعدت في مدن الأراضي المحتلة بفعل صواريخ المقاومة، وعجز دولة الاحتلال الإسرائيلي عن تحقيق انتصار ملموس على حماس، كان السبب الرئيس في دفع أطراف دولية عديدة للإعلان عن ضرورة الحديث مع حماس، بعد نجاحها في حشد الشارع الفلسطيني خلفها، وتنامي قدراتها العسكرية طيلة السنوات الماضية، بالحد الذي تطلب من الأوروبيين تحديداً تغيير استراتيجيات التعامل مع حماس، بفعل القناعة بفشل محاولات حصارها وإجبارها على الرضوخ للمطالب الدولية الخاصة بالاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي ونبذ المقاومة.
- مؤتمر دولي للسلام: يمكن أن تتحول المعركة التي فشلت دولة الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق نصر فيها، إلى أداة ضغط جديدة على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي حاول خلال أكثر من عقد تجاوز القضية الفلسطينية، متسلحاً بحالة الانقسام، وضعف الفعل الفلسطيني الذي يمكن أن يشكل ورقة ضغط عليه للاستجابة للمطالبات بإحياء "مفاوضات عملية السلام".