عُقد في إسطنبول في السادس من سبتمبر، المؤتمر الدولي المعنون «من الإبادة الجماعية إلى بناء الدولة الفلسطينية»، ليجمع نُخبة من الأكاديميين والمفكرين وقادة الرأي من فلسطين، وتركيا، وإيران، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وروسيا، وعدد من الدول الأوروبية. نُظِّم المؤتمر من قبل مجموعة الحوار الفلسطيني بشراكة مع منصة "خارجي" الإعلامية ومركز العلاقات الدولية الدبلوماسية (MID)، وناقش مجموعة من القضايا المحورية، أبرزها حرب الإبادة الجماعية المنهجية التي ترتكبها دولة الاحتلال في قطاع غزة، وتحديات بناء الدولة الفلسطينية ومسألة الاعتراف الدولي بها، فضلاً عن مسؤوليات المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية.
افتُتح المؤتمر بكلمة رئيسية ألقاها منسق المؤتمر، تونچ أكتش، رئيس تحرير منصة "خارجي"، أشار فيها إلى أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة حرجة تجمع بين أعظم مأساة في تاريخ هذا الشعب وتحركات جادة نحو الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. وأكد أن المؤتمر يتناول القضية الفلسطينية بوصفها إحدى أكثر قضايا العالم إلحاحاً من متعدد المنظورات، مشدداً على دور الإعلام في نقل الصوت الفلسطيني إلى العالم وضرورة استثمار قوة النشر الرقمي لتوسيع الوعي والدفع نحو الحل.
كما ألقى صادق أبو عامر، رئيس "مجموعة الحوار الفلسطيني"، كلمة أمام المؤتمر، أشار فيها إلى أن ما يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية يمثل عملاً من أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضمن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لتصفية القضية الفلسطينية وحرمان الشعب من حقه في إقامة دولته المستقلة. وقال أبو عامر: «نحن على ثقة بأن الإبادة الجماعية لن تمحو الهوية الوطنية، ولن تُسكت الصوت الفلسطيني، وأن التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب ستتمهد الطريق نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة».
وشدّد على أن التحدي الأكبر اليوم يكمن في الانتقال من موقع رد الفعل البحت إلى موقع صناعة المبادرة السياسية، مشيراً إلى أن الحرب قد كشفت حدود النظام الدولي وانحياز مراكز صنع القرار الكبرى، كاشفةً في الوقت ذاته عن موجة غير مسبوقة من التضامن الشعبي العالمي التي يجب تحويلها إلى أداة ضغط منظمة لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني.
وأوضح أن المؤتمر ينطلق من فلسفة توحيد الجهود العربية والإقليمية والأوروبية لإنهاء الحرب وتعبئة الأدوات الدبلوماسية والقانونية والإنسانية لضمان حماية المدنيين وفتح مسار سياسي فاعل يؤدي إلى الاستقلال. وحذر أيضاً من إعادة إنتاج الظلم التاريخي الذي أجبر الفلسطينيين على دفع ثمن صراعات القوى الدولية منذ انهيار الدولة العثمانية وخطة التقسيم لعام 1947. واختتم أبو عامر كلمته بالتأكيد على أن انعقاد المؤتمر بمشاركة شخصيات من أوروبا والمنطقة يرسل رسالة واضحة بأن فلسطين تظل قضية الضمير العالمي، داعياً إلى تبني توصيات ملموسة لدعم الاعتراف بدولة فلسطين، وإنهاء الإفلات من العقاب، وتعزيز حقوق الإنسان والعمل القانوني على المستوى الدولي.
من جانبه، أبرز محمد راقبوغلو، من مركز العلاقات الدولية والدبلوماسية، المنعطف الحرج الذي وصل إليه الصراع، مشيراً إلى أن الجرائم الموثقة في غزة قد اعترفت بها المؤسسات الدولية باعتبارها أعمال إبادة جماعية. وأكد أن المرحلة القادمة يجب أن تركز على الانتقال من مجرد توصيف الجريمة إلى تحقيق قيام الدولة الفلسطينية، داعياً إلى خوض معركة الوعي والمعرفة إلى جانب النضال الميداني، ومشدداً على ضرورة تفكيك البنية السلطوية العسكرية والأيديولوجية التي يعتمد عليها الاحتلال.
الندوة الفلسطينية: الإبادة الجماعية في الخطاب السياسي وبناء الدولة
افتتح الندوة مسيرها أ. يوسف فخر الدين (باحث مقيم في فرنسا)، بقوله: «نلتقي هنا بينما يتعرض الشعب الفلسطيني لحرب إبادة إسرائيلية في قطاع غزة، في ظروف أشد قسوة من أن تُوصَف بأنها مجرد غير إنسانية. يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية العنف العسكري الإسرائيلي، وتوسيع المستوطنات، وعنف المستوطنين، مع إعلان وزير المالية الإسرائيلي نية حكومته ضم 80% من الضفة الغربية».
وأشار فخر الدين إلى أنه «في هذه اللحظة، فقد العمل الوطني الفلسطيني القدرة على التقييم الذاتي. لقد فقد القدرة على فحص أفعاله ونتائجه لتحديد الإيجابي والسلبي من أجل تعزيز الأول ومعالجة الثاني - بما في ذلك الاعتراف بالأخطاء والاستعداد للتراجع، حتى ولو بمبدأ خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء. وفي الوقت نفسه، تعمق الانقسام الفلسطيني، لصالح أطراف معينة، إلى الحد الذي أصبحت فيه الاتهامات هي النهج السائد، مما أسرع التفكك الوطني وأضعف القدرة على مواجهة المبادرات. علاوة على ذلك، تم إضعاف التمثيل الوطني الفلسطيني في المفاوضات حول وضع ومصير غزة، وهو ما يمكن اعتباره تراجعاً عن إنجاز التمثيل الوطني الذي انتُزع بتضحيات جسيمة على مدار قرن من النضال الوطني».
ولفت الانتباه إلى «أهمية الحوار بين الفلسطينيين على كافة المستويات: أولاً، لوقف الاستنزاف المستمر؛ وثانياً، لإنهاء الانقسامات الراسخة؛ وثلاثاً، الاتفاق على المشروع الوطني وعلى سبل إنهاء الإبادة الجماعية واستعادة المبادرة».
وقدم مسير الندوة المشاركين بالقول: «نقدم في ندوتنا استجابات أربعة مثقفين جادين ومسؤولين سيقدمون مقترحات، ومبادرات، وتحليلاً لجهود الوساطة، قائمةً على التساؤل النقدي. الورقة الأولى لأد. خليل شاهين (نائب مدير مركز مسارح في رام الله - والصحيح مركز مسارات)، تتناول سبل استعادة الذات، وتصحيح التمثيل، وإعادة بناء وتنظيم القدرات. وهناك أيضاً مشاركة من أ. سمير الزبن (كاتب سياسي وروائي مقيم في السويد)، الذي سيناقش الخطاب السياسي الفلسطيني، وضعف تنظيم العمل السياسي، وأهمية الحوار في بناء المستقبل الفلسطيني. وسيقدم د. حسام الدجاني (أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة بغزة) تقييماً منهجياً لجهود الوساطة المصرية والقطرية، مستخلصاً النتائج لتحسين فعاليتها. وأخيراً، سيعقدم أ. محمد شهادة (عضو المجلس الأوروبي) الموقف الأوروبي، مسلطاً الضوء على التناقضات بين الروايات المتنافسة حول غزة».
وفي إطار جدلية الإبادة الجماعية وبناء الدولة الوطنية الفلسطينية، قدم خليل شاهين (نائب مدير مركز مسارات للدراسات في رام الله) تأثير الإبادة الجماعية المتسارعة جرائم الحرب على الكيان الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وتراجع القدرة على التدخل لوقف هذه الجرائم. وجادل بأن القضية الأساسية تكمن في القدرة على الاستجابة بطريقة تعوض المجتمع الفلسطيني عن خسارة الأرواح والمؤسسات وتدفع المشروع الوطني قدماً تحت إطار الحماية من أعمال الإبادة الجماعية المستقبلية.
وأشار خليل شاهين إلى أن التحديات التي تواجه الفلسطينيين لا تقتصر على حرب الإبادة الجماعية، بل تشمل أيضاً استهداف المؤسسات الوطنية؛ فمثلما تنهار مؤسسات أوسلو في غزة، تطمح حكومة اليمين الإسرائيلي إلى تقويض الحكم الذاتي في الضفة الغربية عبر اختزاله في سلطة هشّة قابلة للانهيار، أملاً في تحقيق أهدافها القاضية بالقضاء على الشعب الفلسطيني وقضيته، خاصة في ظل غياب رؤية لدعم سياسي واقتصادي مستدام للقضية الفلسطينية لمواجهة مخططات الاحتلال.
وشدّد شاهين على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إعطاء الأولوية للوحدة الفلسطينية والتحدث بصوت واحد كسياسة مشتركة تؤدي إلى بناء وتطوير المؤسسات وبرنامج سياسي، والالتفاف تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا من شأنه تمكين إدارة إطار فلسطيني يعكس المصالح الوطنية على أساس الحوار والرؤية المشتركة، ويسهل الانخراط مع المنطقة العربية والعالم. ويشكل هذا الأساس الشرط الضروري لإنضاج المشروع الوطني وتجاوز تداعيات الإبادة الجماعية، فضلاً عن إعطاء العالم ثقة بأن الفلسطينيين قادرون على كسب ثقة الاتحاد الأوروبي وروسيا ودول أخرى.
واستعرض خليل شاهين تداعيات الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، معتبراً إياه خطوة مهمة في مواجهة الإبادة الجماعية الإسرائيلية وفي إعادة بناء الدولة. ودولياً، اعتبر الاعتراف أداة لتحقيق العدالة، خاصة مع تزايد الرأي العام العالمي المعارض لإسرائيل والدور المتصاعد للمنظمات غير الحكومية، مما يضع إسرائيل تحت ضغط متزايد ورفض عالمي، مجبراً حكومتها على التعامل مع هذه القضايا بواقعية أكبر.
وركز سمير الزبن (الكاتب السياسي والروائي) على الخطاب السياسي والمصطلحات، وعلى ضعف مرونة المؤسسات الفلسطينية اللازمة لحماية حقوق الشعب، بما في ذلك الحق في تقرير المصير، والحق في الحياة، وإقامة الدولة الفلسطينية. وأشار إلى ضرورة مراجعة السياسة الحالية.
وفيما يتعلق بالبنى الفلسطينية، سلط الزبن الضوء على الحاجة إلى إعادة بناء الوضع الفلسطيني وإنهاء الاحتلال، الأمر الذي يتطلب إعادة تقييم للسياسة الحالية للاستفادة من التغير العالمي، والنظر في العلاقة بين غزة والضفة الغربية، وتنظيم العلاقة بين الفصائل الفلسطينية، وربط المستقبل الفلسطيني بالتطورات في المنطقة - وهو ما يتطلب حواراً مستمراً.
وتناول حسام الدجاني آثار الوساطة على الإبادة الجماعية، مؤكداً أن الوساطة التركية غير مباشرة وتواجه رفضاً من إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنها تظل مؤثرة في تشكيل الأحداث، إلى جانب الإطار السعودي-الفرنسي الذي يحد من الهيمنة الأمريكية الحصرية على ملفي فلسطين والحرب. وعلى الرغم من فعالية هذه التطورات، فقد ركز على الوساطة الرسمية الممثلة في مصر وقطر والولايات المتحدة - وهو تنسيق لم يكن حاضراً في الحروب السابقة منذ عام 2021. وأوضح أن التحدي الأساسي للوساطة هو إنهاء الحرب، وأن تقييم أدوار مصر وقطر والولايات المتحدة يعتمد على نجاحها في وقف الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والمجاعة. وفي الوقت نفسه، يعكس استمرار الحرب والدمار عيباً بنيويزم في عملية الوساطة، ألا وهو انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل والتلاعب بمسودات المفاوضات، على الرغم من ارتباط مصالح مصر الاستراتيجية ارتباطاً وثيقاً بفلسطين وغزة.
وفي سياق النقاش الأوروبي، تناول محمد شهادة الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية، سيما المواقف الرسمية والشعبية تجاه الداعمين في الخارج والسبل التي وُصِفَت بها الإبادة الجماعية في غزة. وأوضح أن سردية ارتكاب إسرائيل للمجازر بدأت في الانتشار بعد أشهر من بدء الأزمة، خالقةً تنافساً في السرديات على العقل الأوروبي حتى استقر الرأي في النهاية على وصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، مع توضيح أن الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين تختزل في الموت، أو التهجير، أو التجويع.
وأشار محمد شهادة إلى التناقضات في المواقف الأوروبية، حيث بدا المسؤولون غير مبالين بما يحدث، في انتهاك للقوانين الإنسانية، بينما كانت الحكومات التعاطفة مع الإبادة الجماعية تكافح لتقييد الاحتجاجات. واعتبر أن هذا قد حول القوانين الأوروبية إلى أدوات للسيطرة على المتظاهرين وإبعاد المسؤولية عن إسرائيل.
واختتم فخر الدين الجلسة بالقول: «لقد شكّل المثقفون الفلسطينيون دائماً قوة رأي، قوة تتحرك في السياسة انطلاقاً من دافع التأثير لا دافع المنافسة»، داعياً خليل شاهين لتقديم مسودة توصيات الندوة.
إعطاء الأولوية على المستويات الفلسطينية، والإجبارية، والدولية (والصحيح: الإقليمية والدولية) لإجبار إسرائيل على وقف حرب الإبادة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وبدء إعادة الإعمار.
العمل على إعادة تنظيم التمثيل الفلسطيني بمشاركة جميع الأطراف وإنهاء الانقسام عبر إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية على أساس برنامج سياسي توافقي، وإجراء انتخابات بعد توقف العدوان.
حتى اكتمال إصلاح منظمة التحرير، يجب التحرك العاجل لتشكيل وفد فلسطيني موحد يمثل الشعب الفلسطيني في مفاوضات إنهاء الحرب. كما ينبغي للفلسطينيين تطوير رؤية وطنية لكيفية التعامل مع المرحلة الانتقالية، والتي تشمل الاتفاق على هياكل الحكم بعد انتهاء الحرب.
التحرك السريع لبناء ائتلاف دولي متعدد الأقطاب داعم لحقوق الشعب الفلسطيني، يهدف إلى توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية عبر الانخراط في المبادرة السعودية-الفرنسية، مع المطالبة بأن يقترن الاعتراف بالدولة الفلسطينية باستراتيجية لإنهاء الاحتلال والأنشطة الاستيطانية، وتحديد تدابير عقابية ضد إسرائيل إذا لم تمتثل.
تعزيز التشبيك والتنسيق مع حركات التضامن حول العالم، ومع الدول الإقليمية والدولية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني.
الندوة الإقليمية: القضية الفلسطينية كقضية عربية وإقليمية
عُقدت الندوة الثانية للمؤتمر بعنوان "القضية الفلسطينية كقضية عربية وإقليمية" بإدارة د. خيري عمر، وبمشاركة أربعة مثقفين من السعودية، وتركيا، ومصر، وإيران. ركزت النقاشات على الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة ومستقبل الدولة الفلسطينية، عبر فحص سياسات هذه الدول وأدوارها الإقليمية.
افتتح د. خيري عمر النقاش بالتأكيد على أن «الوقت قد حان لتطوير مقاربة جديدة للتعامل مع أزمات المنطقة»، مشدداً على أن إعادة تعريف المفاهيم والسياسات قادرة على إنتاج حلول مختلفة للنزاعات. وأشار إلى أن الأزمات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي توفر فرصة لإعادة رسم مكانة العالم الإسلامي في النظام العالمي، مما يتيح تجاوز العداءات التقليدية واستكشاف نماذج بديلة للتعاون الإقليمي.
وفي المحور التركي، أكد د. محمد أوزجان (جامعة الدفاع الوطني – تركيا) أن المشكلة الأساسية في المنطقة هي إسرائيلية وليست فلسطينية، مشيراً إلى أن هذا التوصيف يساعد في صياغة سياسات أكثر فعالية للتعامل مع القضية الفلسطينية. وأوضح أن أنقرة تستخدم علاقاتها مع إسرائيل كأداة ضغط لدعم إقامة دولة فلسطينية، بالتوازي مع دعمها لجهود الوساطة التي تبذلها قطر ومصر. وأكد أوزجان أن ما يحدث في غزة أصبح القضية المركزية للعالم الإسلامي والإنسانية جمعاء، مضيفاً أن «المسألة الإسرائيلية لم تعد موضوعاً للنقاش، بل أصبحت واقعاً فورياً يتبدى في سياسات عدوانية وتوسيعية واضحة».
واعتبر أيضاً أن الاعتراف الدولي المتصاعد بدولة فلسطين هو تطور محوري، لكنه شدد على أن «المسألة الحقيقية تكمن في تطوير سياسات عملية تمكن الفلسطينيين من الصمود على أرضهم ومواصلة وجودهم». واختتم بالتأكيد على أن تركيا حافظت على مكانتها كواحدة من أكثر الدول حزماً في مواجهة السياسات الإسرائيلية، وأن رد فعلها الحالي يعد من أقوى الردود في تاريخ مواقفها تجاه القضية الفلسطينية.
ومن الجانب السعودي، قدم د. خليل الخليل (عضو مجلس الشورى السابق) نظرة عامة من منظور "القوة الحضارية"، مستنداً إلى دور المملكة التاريخي في دعم القضية الفلسطينية عبر المبادرات وجهود الوساطة، وفي مقدمتها مبادرة السلام العربية لعام 2002. وأكد أن المملكة لعبت دوراً محورياً في حشد المواقف الدولية ضد العدوان على غزة، سواء عبر القمة العربية-الإسلامية أو الجهود الدبلوماسية اللاحقة، إضافة إلى التنسيق الوثيق مع تركيا وإيران ومصر لضمان أرضية مشتركة تردع إسرائيل وتدعم الأمن الإقليمي.
وفي ملاحظاته، شدد على أن القضية الفلسطينية هي قضية عالمية لن ينسوها العالم العربي وحدها، بل البشرية والتاريخ أيضاً. وأشار إلى أن سياسات إسرائيل في الضفة الغربية وغزة تشكل جرحاً مشتركاً يمتد أبعد من الفلسطينيين إلى المنطقة برمتها. وعلى الرغم من أن إسرائيل قد ترى نفسها منتصرة اليوم، أضاف الخليل، فإنها تصبح أكثر عزلة يوماً بعد يوم على السوفي (والصحيح: الصعيد) الدولي وفي داخلها. واختتم بالتأكيد على أن وجود الشعب الفلسطيني لا يمكن محوه، وأن هذه الأمة التي تناضل من أجل العدالة ومن أجل القدس هي أمة لا تقهر ولا يمكن هزيمتها.
وفي المحور الإيراني، قدم د. حميد عزمي (رئيس مركز مرصاد للدراسات الاستراتيجية) نظرة عامة توضح أن سياسة طهران تقوم على المقاومة حتى التحرير الكامل ورفض حل الدولتين. وجادل بأن دعم إيران للمقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمنية يمثل أداة رئيسية في رؤيتها للقضية الفلسطينية. وأكد عزمي أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس سوى أداة؛ وما يهم حقاً هو وجود الشعب والأرض. وشدد على أن إقامة دولة فلسطينية حقيقية يتطلب بناء حضور مؤسسي فعال لا يقتصر فقط على الأراضي المحتلة بل يمتد عبر الشتات الفلسطيني.
ومناقشة للواقع الحالي، أشار إلى أن ما يحدث في الضفة الغربية اليوم يعكس بنية هشة بدون جيش، غير قادرة على حماية شعبها أو ممارسة المقاومة، ومقتصرة على إدارة الشؤون الداخلية فقط. وعلى الرغم من تباين الموقف الإيراني عن بعض التفاهمات الإقليمية، دعا عزمي إلى إطار للحوار بين دول المنطقة لمواجهة العدوان الإسرائيلي وتعزيز قضايا الأمن الجماعي. وأشار إلى أن المسائل الاستراتيجية مثل تدفق الطاقة من أذربيجان إلى إسرائيل يمكن إدارتها كورقة ضغط إقليمية، حيث يمكن لتركيا أن تلعب دوراً محورياً.
وفيما يتعلق بالدور المصري، سلط المتحدثون الضوء على جهود الوساطة المصرية المستمرة في قطاع غزة، سواء لتخفيف الضغوط الإنسانية أو لدعم المفاوضات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، مساهمة بذلك في خفض التصعيد الإقليمي.
وفي ختام الجلسة، أكد د. خيري عمر أن انخراط الدول الأربع في تطورات العدوان على غزة يعكس استجابة عربية وإسلامية متسارعة نحو دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية والسعي للحصول على ضمانات لوقف إطلاق النار. كما دعا إلى تجاوز الخلافات التقليدية بين هذه الدول لصالح بناء أرضية سياسية مشتركة تكون بمثابة ظهير للقضية الفلسطينية وتعزز فرص الشعب الفلسطيني في مواجهة الإبادة الجماعية وانتزاع حقه في دولة مستقلة.
الندوة الدولية: التضامن العالمي والضغط على "إسرائيل"
عُقدت الندوة الدولية للمؤتمر برئاسة البروفيسور حسن أونال (جامعة باشكنت)، الذي أكد في كلمته على أن «العالم يتحرك نحو نظام متعدد الأقطاب لم يعد يخضع للهيمنة الغربية»، مؤكداً أن «الموارد المخصصة لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة وأوروبا ستتضاءل تدريجياً»، وأن «الضغط الشعبي في الغرب يضعف دعم النخبة السياسية لإسرائيل»، محذراً في الوقت ذاته من أن «سياسة إسرائيل القاضية بإعلان الجميع أعداءً ليست مستدامة».
ركزت الندوة على دور المجتمع الدولي، سيما القوى الكبرى مثل أوروبا وروسيا، في وقف الإبادة الجماعية ودعم بناء الدولة الفلسطينية. وأكد المتحدثون أن التحولات الجارية في النظام الدولي والضغط الشعبي العالمي المتصاعد يفتحان الباب لصياغة مقاربات جديدة وأكثر فعالية.
أكدت البروفيسور كاليبسو نيكولايديس (معهد الجامعات الأوروبية)، متحدثة عبر رابط فيديو، على حاجة أوروبا للعب دور أكثر نشاطاً في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، مشيرة إلى أن انعقاد المؤتمر الدولي لفلسطين قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يحمل أهمية كبيرة لتوحيد المنظورات الأوروبية. وأوضحت أن الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أرسل تحياته إلى المؤتمر الدولي لفلسطين، معبراً عن دعم أوروبا للجهود الرامية لحل الصراع ومؤكداً أن «أوروبا يجب ألا تبقى على الهامش»، وأنه يجب عليها أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً وفاعلية في تحقيق التوازن الدولي ودعم حقوق الشعب الفلسطيني.
وأشارت إلى أن انضمام دول أوروبية جديدة إلى صفوف المعترفين بدولة فلسطين يشكل تطوراً مؤثراً في موازين القوى داخل مجلس الأمن، لكنها شددت على أن الاعترافات الرمزية «لا تكفي ما لم تتبعها سياسات أكثر حزماً تجاه انتهاكات إسرائيل».
وتناول د. ه. أ. هيليار (معهد الخدمات المتحدة الملكية – المملكة المتحدة) الفجوة بين الرأي العام الغربي وصناع القرار، مشيراً إلى أن «الرأي العام في أوروبا يعارض بوضوح ما تمارسه إسرائيل في غزة؛ ومع ذلك، فإن هذه الاستجابة لم تنعكس بالكامل بعد على السياسات والممارسات الحكومية». وأضاف أن «المملكة المتحدة والعديد من الدول الأوروبية تستعد للاعتراف بدولة فلسطين؛ لكن هذه الخطوة ليست مكافأة ولا عقاباً - بل هي إقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير»، مؤكداً أن «قضية غزة محورية للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها في دراسات الأمن الأوروبي والإقليمي».
وفي السياق الألماني، أشار ستيفان أوسينكوب (معهد شيلر) إلى أن الانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب يفتح آفاقاً جديدة لحل القضية الفلسطينية، لكنه انتقد موقف برلين بالقول: «لقد أدت بلدي، ألمانيا، أداءً سيئاً للغاية في اختبار فلسطين باختيارها الاصطفاف مع حكومة نتنياهو». وأوضح أن «المظاهرات المؤيدة لفلسطين في ألمانيا تخضع لمراقبة صارمة، ويتم قمع وسائل الإعلام المستقلة والصحفيين»، معتبراً أن الحل العادل يتطلب «تعاون مجموعة بريكس، ومنظمة شانغهاي للتعاون، ودول الجنوب العالمي لعزل إسرائيل على الساحة الدولية».
وقدم الأكاديمي والدبلوماسي الروسي ألكسندر سوتشينكو (رئيس البيت الروسي في أنقرة) منظوراً تاريخياً، مقارناً حصار غزة بحصار لينينغراد، ومؤكداً أن «السلاح الأساسي المستخدم هو سلاح التجويع». وجادل بأن «اليوطوبيا الليبرالية قد انهارت؛ والآن لم يعد يهتم أي فاعل إلا بأمنه ومصالحه الخاصة»، محذراً من أن الجرائم الجماعية التي لا تُسجل في الذاكرة العالمية تظل دون عقاب، مما يعمق عزلة إسرائيل الأخلاقية.
وأكدت السياسية الألمانية جاكلين ناستيك (عضو البرلمان الألماني - البوندستاغ) على مسؤولية ألمانيا التاريخية والأخلاقية، قائلة: «بعد أوشفيتز، تعهدت ألمانيا "لن يتكرر أبداً!"؛ وهذا ليس مجرد وعد، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية»، معتبرة أن هذا التعهد يُنتهك اليوم عبر التواطؤ في الإبادة الجماعية من خلال شحنات الأسلحة والدعم السياسي لإسرائيل. وأضافت متسائلة: «بينما نقول: لن يتكرر أبداً!، يجب أن نسأل: ولكن لصالح من؟».
وفي ختام الجلسة، أعاد البروفيسور حسن أونال التأكيد على أن تراجع الهيمنة الغربية سيؤدي حتماً إلى إضعاف الدعم غير المشروط لإسرائيل، مضيفاً أن سياستها القائمة على معاداة الجميع لن تستطيع الاستمرار طويلاً.
النتائج والتوصيات الرئيسية:
خَلُص المؤتمر الدولي في إسطنبول إلى توافق مفاده أن بناء الدولة الفلسطينية يتطلب مساراً مزدوجاً: يجمع بين تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية الداخلية وتحقيق الوحدة الوطنية مع الدعم الإقليمي، وتصعيد الضغط الدبلوماسي الدولي على إسرائيل لضمان وقف عدوانها وامتثالها للشرعية الدولية.
وأكد المشاركون على ضرورة إنهاء الحرب الإسرائيلية والانسحاب الفوري من قطاع غزة، فضلاً عن فتح قنوات لدخول المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار القطاع. كما سلطوا الضوء على الحاجة إلى إعادة بناء التمثيل الوطني الفلسطيني على أساس الشراكة الشاملة لجميع القوى والفصائل، وإنهاء الانقسام الداخلي، وتعزيز دور المجتمع المدني ضمن برنامج سياسي توافقي.
وتم التأكيد أيضاً على ضرورة تشكيل قيادة فلسطينية موحدة لإدارة مفاوضات إنهاء الحرب وإطلاق مرحلة انتقالية تطور رؤية وطنية شاملة تستجيب لمتطلبات المرحلة الحالية. ويشمل ذلك استغلال الزخم والدعم الدولي لتعزيز الاعتراف بدولة فلسطين، وصولاً إلى إجراء انتخابات عامة فور توقف الحرب لترسيخ الشرعية الوطنية وتعزيز الوحدة. ومن شأن هذه الخطوات أن ترسل رسالة أمل واضحة عبر نقل القضية الفلسطينية من عصر الإبادة والحصار إلى مرحلة بناء الدولة السياسية واستعادة السيادة الوطنية.