أوروتوبيدا الحصار
استمع إلى هذا المحتوى صوتياً
10 دقيقة قراءة • قارئ ذكي مدمج"إن الفضاء الانضباطيّ يتجه نحو الانقسام إلى أجزاء بمقدار ما يوجد من أجسام وعناصر يجب توزيعها. يجب إلغاء مفاعيل التوزيع الملتبس، والغياب غير المراقب للأفراد، وتحوّلهم الغامض، و تكتلهم غير النافع والخطر؛ تكتيك لمحاربة الهرب من الجيش، ولمحاربة التّشرد، ولمحاربة التجمّع. المطلوب ضبط الحضور والغياب، ومعرفة أين وكيف العثور على الأفراد، وإقامة الاتصالات المفيدة، وقطع الأخرى، وإمكانية مراقبة كل فرد في كل حين، وتقييمه ومعاقبته، وقياس صفاته ومزاياه. إجراء من أجل المعرفة ومن أجل التحكم، ومن أجل الإنتفاع، هكذا ينظم الانضباط فضاءً تحليليّاً"[note]ميشيل فوكو، فنّ التقسيمات.[/note].
مرّت المؤسسة الانضباطيّة، باعتبارها إنتاجاً فيزيائيّاً لسلطة عقابيّة -إصلاحيّة- عبر توّجه تحويلي تاريخيّاً، ظلّ فيه الجسدُ موضوعَ توظيفٍ مُلِحٍ وآمرٍ ضمن حقلٍ سياسيٍّ غارقٍ في تفاعلاتِه، حيث تعمل فيه السّلطةُ وبعلاقات معقّدة ومتبادلة عملًا مباشراً، وتُحيلُه متوالياتُها الانضباطيّة إلى إلزامات وواجبات ومحظورات وفق استخدامات محسوبة لعناصره وسلوكياته. تتحوّل الانضباطات لصيغٍ عامّةٍ للسيطرة على الجسد، ولآليات رقابيّة تتداخل شعرياً في حيزات استعداداته وتحركاته وإلى أبعد من ذلك، إنها تفككها وتعيد تركيبها كي يظلّ هذا الجسدُ موظفاً سياسيّاً، وكي تكون حاجتُه وفق نظامٍ استعباديّ، محكوم بأداة استثمار سياسيّة محسوبة ومستخدمة بعناية للغاية.كيّ نفهم غزّة أكثر، علينا أن نفهم ميكانيك الانضباط الذي مُورِس عليها، تحديداً في استراتيجيا الإغلاق الإسرائيليّة، والتي أحالت مصفوفة سيطرتها ورقابتها التراتبيّة على غزّة كفضاءٍ مكانيٍّ إلى كرنتينا معزولة ومقموعة ومعطوبة. علينا أن نفهم أكثر كيف تنامت ونُمْذِجت أركيولوجيا عقابيّة، أخذت هذا الفضاء المكانيّ حتى أدقّ تفاصيله السياسيّة والسوسيولوجيّة داخل سلطات ضيّقة وعنيفة للغاية، تمفصلت وتفصّلت حوله، وازدادت مفاعيلها التسلطيّة تفريعاً وتشعيباً، شيئاً فشيئاً لحفر ترسيمات الطواعية والإخضاع والردع على جسده.