مقالات

الصهيونية بين الجذور السياسية والدعم الأمريكي

تبدو الحركة الصهيونية كأيديولوجية عابرة للأديان ولأول وهلة في حالة صدام مع أوروبا، إذ أنها نشأت من رحم معاناة اليهود هناك، إلا أنه سرعان ما يتضح لنا أنها كانت محاولة للخروج جغرافياً وجسدياً من أوروبا، لتعود للانضمام إليها مرة اخرى نظرياً وسياسياً، فالحركة التى بدأت بدعوى التحرر من الاضطهاد ومعاداة السامية، كانت في واقع الامر تعيد أدواته ومفاهيمه، فالصهيونية لا تعارض من حيث المبدأ الفكر القومي الذي بلغ حد العنصرية، كما انها تعد امتداد طبيعي للمشروع الاستعماري الاوروبي في الشرق.

فلم تكن الاسطورة الدينية التى تعد اليهود بارض الميعاد، ولا الاعتقاد البروتستانتي الذي يؤمن بضرورة عودة اليهود الى فلسطين لتحقيق نبوءة العودة الثانية للمسيح، وبداية العصر الالفي السعيد، قادرة وحدها على خلق تلك الدولة، لولا تشابك المصالح، لِيختار العالم الغربي المتحضر الشعب الفلسطيني كضحية يكفر بها عن جرائمه التى ارتكابها بحق اليهود هناك.

فما نراه بعد عملية طوفان الاقصى من دعم غربي تترجمه الولايات المتحدة بشكلٍ سافر، ودعم مطلق لدولة الاحتلال امام تلك الجرائم  التى تتجاوز المجازر بحق الشعب الفلسطيني،  لتصل الى حد الابادة الجماعية والتطهير العرقي، الا جزءً من تلك الجذور السياسية لتلك الحركة والعلاقة العضوية بين الطرفين.

يحاول هذا المقال تقديم تفسير لتلك العلاقة العضوية بين الصهوينة واستمرار الدعم الامريكي من خلال تناول جذور النشأة والنص الديني والدعم الامريكي كمحصلة نهائية لتشابك المصالح وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية

المحور الأول: الاسطورة الدينية بين اليهودية والمسيحية

 المحور الثاني: الصهيونية السياسية والانتقال من الوعد إلى الدولة

المحور الثالث: الدعم الامريكي كمحصلة نهائية لتهويد المسيحية وتشابك المصالح.

المحور الاول – الاسطورة الدينية بين اليهودية والمسيحية.

لنسلك اعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات [ تك، 15-18]

بهذه الأسطورة أو المعتقد اليهودي بدأ تاريخ الهرطقة، وهو تاريخ يكمن في جعل الدين أداه للسياسة بإطفاء القداسة عليها عبر قراءة حرفية انتقائية للكلام المنزل.

ارض الميعاد أو المعاد أو أرض إسرائيل، هذه أسماء عدة لمفهوم واحد أرض فلسطين أو أرض كنعان القديمة، بتلك الأسطورة أو المعتقد أسس اليهود فكرة العودة بناءاً على وعد الله عز وجل لإبراهيم  ونسله من بعده، بملك أرض فلسطين ملكاً أبدياً، بدأ بارض كنعان ثم النيل والفرات ثم انتقل الوعد الأبدي من سلالة إبراهيم إلى إسحاق حتى قبل ولادته! ثم يعقوب ونسله، و تكرر لموسى حين كلمه ربه مقروناً هذه المرة بشعب الله المختار.

ويلاحظ ان هذا الوعد نشأ لهدف عنصري، حيث تم الفصل بين ابناء ابراهيم بعد استقصاء اسماعيل، وقصر الوعد على نسل يعقوب، كما يلاحظ أن أياً من تلك الوعود السابقة لم تتحقق، فلم يملك إبراهيم أرض كنعان، ولم تذكر التوراة أن إسحاق ملك تلك الأرض، بل إن يعقوب رحل عنها الي مصر ولم يدخلها موسى أيضا، فهذا الوعد الذي يتشبث به اليهود يناقض نفسه بنفسه(١)

وبالرغم من أن تلك الادعاءات الدينية لا تصلح لإلزام الآخر، إلا أن بعض الحركات اليهودية اعتبرت الصهيونية مشروع انقلابي داخل اليهودية نفسها، وكان من أسباب المعارضة في أواسط اليهود غير الأرثوذكس في المانيا، ان الصهيونية تمس موقعهم الاجتماعي والسياسي وتزيد مظاهر اللاسامية، كما أنها مثلت منحى جديد منافي لليهودية، فبموجب الصهيونية يمكن أن تكون ملحداً و يهودياً جيداً في الوقت نفسه! وذلك باعتبارها قومية وليست ديناً، أما عن المجموعات الأرثوذكسية في ألمانيا فقد كان الصراع معها على أشده، حيث رأت الارثوذكسية ان الحرب مع الصهيونية هي حرب دفاع عن النفس، بعد ان استأثرت الصهيونية بعالم الرموز الدينية المتعلقة بفكرة الخلاص الديني وارض الميعاد، وإعادة تطويعها بما يخدم افكارها، وهو ما نتج عنه نشوء حركات مناهضة للصهيونية، باعتبارها حركة قومية قائمة على العرق وليس بينها وبين الدين أي رابط، فلقد آمنت تلك الحركات بفكرة الخلاص والعودة باعتبارهما امراً سماوياُ وليس على المتدين الا الابتهال والصلاة دون تدخل بشري، وهو ما يعكس حجم التناقض بين اليهودية والصهيونية كأداة سياسية، نظر اليها بعض اليهود باعتبارها محاولة لاقتلاع الدين التقليدي واستبداله بدين جديد ارضي وعلماني(٢)

العهد القديم وولادة المسيحية الصهيونية

إن الموقف التقليدي للكنيسة تجاه اليهود طوال ما يقرب من الفي عام حتى المجمع المسكوني الثاني في الفاتيكان عام 1946 كان يقوم على مقولات ثلاث

  • إن اليهود بقتلهم المسيح قد قتلوا الإله
  • إن الشعب المختار إذن صار شعب الكنيسة
  • العهد القديم صورة سابقة للعهد الجديد ترمز إليه وتبشر به

 وبناءًا على ذلك فإن اليهود الذين رفضوا الاعتراف بالمسيح قد عزلوا أنفسهم عن طائفة إبراهيم، فانتفت عنهم صفة شعب الله المختار، وقد عقابهم الله بالطرد من فلسطين ونفاهم إلى بابل، ومع ذلك فإن وعد الله الذي قطعه لإبراهيم قد تحقق، حين سُمح لهم في القرن السابع قبل الميلاد بالعودة إلى فلسطين، على إثر قرار المالك قورش ملك فارس، وعاقبهم الرب بالشتات برفضهم الاعتراف بيسوع المسيح، ولم يعد لهم أمل في الخلاص الفردي إلا باعتناقهم المسيحية(٣)

لقد تولد عن هذا الموقف المسيحي موقف معادٍ للسامية، تفجر على نحو خاص في الحروب الصليبية والمذابح الكبرى، التى كانت على يد المحاربين المسيحيين القادمين إلى فلسطين، وفي أوروبا قام إدوارد الأول ملك إنجلترا بطردهم عام ١٢٩٠، وفي عام 1306 حذا حذوه ملك فرنسا فيليب دي بل، وتكرر الأمر في كلا من أسبانيا بعد القضاء على غرناطة آخر مملكة إسلامية عام 1492، وكانت روسيا المقدسة هي الأخرى مسرحاً لمذابح كبرى لليهود 1648 (٤)

  ولقد ظل هذا هو الموقف الرسمي للكنيسة من اليهود والذي لم يتغير إلا بعد ترجمة التوراة إلى الألمانية وبداية مرحلة جديدة من تهويد المسيحية

 الإصلاح الديني وتهويد المسيحية

 يعود مصطلح تهويد المسيحية إلى حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وتوصف تلك الحركة باعتبارها بعث عبري أو يهودي، تولدت عن وجهة نظر جديدة للماضي والحاضر اليهودي بل ومستقبله، فلم تكن أوروبا كما أسلفنا سابقاً تنظر إلى الشعب اليهودي باعتباره شعب الله المختار، بل كونهم مارقين قتله للمسيح، لكن حركة الإصلاح الديني تنكرت لتلك المعتقدات بفضل ترجمة العهد القديم إلي اللغة الألمانية على يد رائد حركة الإصلاح الديني مارتن لوثر، بعد ان فتح باب التفسير لنصوصه أمام الجميع لاستخراج المفاهيم الدينية دون قيود (٥)

نتج عن هذا المذهب الجديد في المسيحية ثلاث معتقدات أساسية للفكر البروتستانتي

  • أن اليهود هم شعب الله المختار
  • ثمة ميثاقاً إلهياُ يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين وإن هذا الميثاق الذي أعطاه الله لإبراهيم سرمدي أبدي
  • ربط الإيمان المسيحي بعودة السيد المسيح بقيام دولة يهودية وإعادة جميع اليهود إلى فلسطين حتى يظهر المسيح فيهم (٦)

تشير المؤرخة باربرا توخمان في كتابها المقدس والسيف إلي التطور الهائل في الحركة البروتستانتية بعد انفصال الملك هنري الثامن عن كنيسة روما في أواخر 1538 وترجمة التوراة للغة الإنجليزية، والذي ساهم بشكل كبير في جعل التوراة جزء من الثقافة الإنجليزية، وأنتجت بذلك تأثيراً كبيراً على مدار الثلاثة قرون التالية، وبذلك أصبحت حكايات العهد القديم زاد للعقل البروتستانتي وهو ما وصفته المؤرخة اليهودية بالغزو العبراني أو كما أسمته لوثة العهد القديم (٧)

ونتيجة لهذه الأفكار، تشكلت حركة سياسية مسيحية يهودية سبقت الحركة الصهيونية في الدعوة إلى ضرورة قيام وطن لليهود في فلسطين، وربط ذلك بالعودة الثانية للمسيح وبداية العصر الالفي السعيد.

المحور الثاني: الصهيونية السياسية والانتقال من الوعد إلى الدولة

يبدو أن الصهيونية السياسية لم تبدأ في شق طريقها إلا بعد أن فشلت الأفكار الليبرالية، التي نادت بها الثورة الفرنسية لفرض مبادئ الإخاء والمساواة على المجتمعات الأوروبية، وعجزت الحركة الاندماجية اليهودية Haskalah أي التنوير عن تحقيق غايتها في القضاء على تمييز اليهود عن غيرهم، وبالتالي القضاء على محاولات اضطهادهم على يد اللا ساميين، وقد لقى ذلك تشجيعا من كبار الرأسماليين اليهود الذين، كانوا يرغبون في تحويل سيل الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية إلى خارج أوروبا الغربية، وذلك لتجنب منافسة اليهود الوافدين للبرجوازية الصغيرة في أوروبا الغربية، وعواقب البطالة على إثارة النعرات اللاسامية عند الطبقات الشعبية (٨)

هرتزل وتأطير الحركة:

 إن المؤسس الحقيقي للصهيونية السياسية هو تيودور هرتزل، عرض هرتزل افكاره عن المسألة اليهودية عام ١٨٩٥  في كتابه الدولة اليهودية، وبالرغم من أن هذا الطرح قد سبقه إليه آخرون إلا إنه استطاع أن يحوله الى مطلباً قانونياً، وذلك بإقامة شركة إمتياز لشراء الاراضي، وقد اتنشر هذه الأسلوب بوجه عام في القرن السادس عشر بفضل الشركات الكبرى، التي شجعت على التجارة والملاحة والصناعة.

عقد هرتزل أول مؤتمر للحركة الصهيونية في بازل 1898 والذي تمخض عنه تحديد أهداف الحركة الصهيونية وإنشاء الأداه التنظيمية والوسائل المستخدمة في ذلك

اولاً– العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين وفق أسس مناسبة

ثانياً– تنظيم اليهودية العالمية وربطها بمنظمات محلية ودولية تتلأم  مع القوانين المتبعة في كل بلد

ثالثاً– تقويت وتغذية الشعور القومي لدى اليهود

رابعاً– اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقات الحكومية الضرورية لتحقيق غاية الصهيونية (٩)

وفي أعقاب هذا المؤتمر كتب هرتزل في مذكراته: لو أردت أن أختصر مؤتمر بازل في كلمة واحدة  لقلت صراحة، في بازل أسست الدولة الصهيونية، ولو أعلنت اليوم ذلك .. لقابلني الناس بالسخرية والتهكم، ولكن بعد خمس سنوات على وجه الاحتمال وبعد خمسين سنة على وجه التأكيد سيرى هذه الدولة جميع الناس.

ومضى في مشروعه مستغلا عاملين، مطامع القوى الاستعمارية المتنافسة حول المسألة الشرقية خاصة مع قرب اقتسام ارث الامبراطورية العثمانية، وعداء السامية، فلا بد من إقناع اليهود المضطهدين بالهجرة لا بالاندماج، ولا بد من إغراء الدول المعادية للسامية من أنها ستتخلص من اليهود (١٠)

ولم تكن فلسطين كأرض قضية مركزية تتصل بالعقيدة لدي هرتزل، فليس لديه اي مانع من انشاء هذه الدولة في اوغندا او الارجنتين، ولقد عبر هرتزل عن ذلك بقوله( يمكن أن أقول لكم كل شيء عن أرض الميعاد عدا مكان الذي ستكون فيه هذه الأرض، و بهذا وضع هرتزل نواة المشروع الاستعماري وليس على من يأتي بعده الا الاكمال في نفس المسار.

حربين عالميتين من وعد إلى دولة

تحول الاستيطان اليهودي في المرحلة السابقة للحرب العالمية الأولى من قضية استيطان عادية إلى قضية عسكرية،  فلقد سعت الحركة الصهيونية إلى أخذ وعد مماثل لوعد بلفور من المانيا، وهو ما جعل بريطانيا تسعى للتقارب مع الحركة الصهيونية بغيت التأثير علي يهود روسيا، ولمنع انضمامهم للثورة البلشفية، وكذلك للتأثير على يهود الدول الكبرى المتحالفة معها، ولعل السبب الاهم لإصدار هذا الوعد، اسهامهم بنسبة كبيرة في المجهود الحربي، هذا بالإضافة لأسباب رئيسية اخرى، متعلقة بحماية قناة السويس وطريق الهند وإقامة توازن في مواجهة فرنسا، والحيلولة دون قيام دولة عربية موحدة، وهكذا تم إصدار الوعد الأشهر في التاريخ سنة ١٩١٧ (١١)

بانتهاء الحرب العالمية الاولى وبداية الانتداب البريطاني دخلت الصهيونية مرحلة جديدة فتحت الباب امام انتشار الاستيطان، ونشر المزيد من الارهاب وقمع ثورات الفلاحيين الذين طردوا من ارضهم، وهو ما نتج عنه استياء بريطانيا من تلك العمليات الارهابية، ونشر الكتاب الابيض ١٩٣٩الذي يقضي بعدم تشجيع هجرة اليهود وشراء الاراضي، الامر الذي اجج الصراع بينهما، فلم تعد للحركة حاجة في بقاء هذا الانتداب، وتوالت على إثر ذلك الاعمال الارهابية بحق بريطانيا، كان من اشهرها عملية تفجير فندق الملك داود، حيث تقيم رئاسة الاركان والحاكم البريطاني عام ١٩٤٦ على يد عصابة الارجون (١٢)

اما المنعطف الحاسم فكان مع عقد برنامج بليتمور عام 1942 والذي تزامن مع الفظائع الالمانية في الحرب العالمية الثانية ضد اليهود، عقد المؤتمر بليتمور في الولايات المتحدة الأمريكية، وتم التصديق على البرنامج ١٩٤٥وقدمته الوكالة اليهودية باعتباره انذار لبريطانيا وينص على ما يلي

  • نحن لا نطالب بوطن في فلسطين بل بدولة يهودية في كل فلسطين
  • نطالب بهجرة لا حد لها تشرف عليها الوكالة اليهودية وحدها
  • إن المساعدات الألمانية ستتخصص لإقامة الدولة الصهيونية

ولم يكن صدفة أنا يتم عقد المؤتمر في بلتيمور في الولايات المتحدة الامريكية، وذلك لمعرفة زعماء الصهاينة وفي مقدمتهم بن غوريون إن للولايات المتحدة دوراً ريادياً عالمياً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بالإضافة للموقف الذي عده الصهاينة متخاذلاً من قبل بريطانيا بعد إصدار الكتاب الأبيض، وبإنهاء الانتداب البريطاني أعلن قيام دولة إسرائيل 14 مايو 1948 وبادرت الولايات المتحدة كأول دولة في العالم للاعتراف بها (١٣)

بهذا الفصل انهت الصهيونية اولى واهم اهدفها، انشاء وطن قومي لليهود، مستغلين في ذلك اطماع الدول الاستعمارية ورغبتهم في الحيلولة دون قيام دولة عربية موحدة بجانب عوامل اخرى.

الدعم الأمريكي كمحصلة نهائية لتهويد المسيحية وتشابك المصالح

 مثلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وضعاً شائكاً، مثيراً للعديد من التساؤلات، حيث امتزج العامل الديني والسياسي داخل المجتمع الامريكي وخلق حالة من التأييد لإسرائيل، يشوبها الغموض في كثيرٍ من الاحيان وهو ما سنتناوله هنا بالتفصيل.

اولا –  تأثير المعتقد الديني على دعم اسرائيل.

لقد انتقل اللاهوت البروتستانتي في أوائل القرن السابع عشر مع المهاجرين الإنجليز الأوائل إلى العالم الجديد، وبدافع من إنجلترا لمنع تقدم الأمم الكاثوليكية من البرتغاليين والإسبان والفرنسيين، فمنذ فجر التاريخ الأمريكي كان هناك ميل مسيحي قوي للاعتقاد بأن المجيء الثاني للمسيح رهن عودة اليهود إلى فلسطين، والذي شكل جزءً من مصفوفة التاريخ الفكري للأمريكان، غير أن هذا الاعتقاد القائم على ضرورة الإحياء القومي لليهود وقيام مملكة إسرائيل، قد سبق الحركة الصهيونية في الدعوة إلى قيام وطن لليهود، حيث أصدر المبشر الأمريكي ويليام  بلاكستون كتاب المسيح آت عام ١٨٧٨ والذي دعا فيه لعودة اليهود إلى فلسطين في إطار الإيمان بالعصر الالفي السعيد بعد المجيء الثاني للمسيح، تلك الحركة المسيحية اليهودية حولت المؤسسة والجمهورية في أمريكا إلى ما يسميه الباحث المصري شفيق مقار بمسمى عباءة إسرائيل أو مسيحية صهيونية فأصبح الرأي العام مجنداً بأغلبيته لإنشاء وطن القومي لليهود في فلسطين (١٤)

 ولقد تطورت الصهيونية المسيحية  لتصبح قوة رئيسية داخل المجتمع السياسي العام، فقد أدى ذلك إلى إنشاء حوالي 250 منظمة إنجيلية مؤيدة لإسرائيل في أمريكا، وفي عام 1991 تم إنشاء لجنة الشؤون العامة المسيحية الإسرائيلية CIPAC   والتي قامت بممارسة الضغط نيابة عن حزب الليكود الاسرائيلي، كما تم انشاء الائتلاف المتحد من اجل اسرائيل UCFI   وذلك لجمع المسحيين واليهود معاً في هدف واحد مشترك، متمثل في استعادة سمعة اسرائيل في المجال العام ،ويضم هذا الائتلاف اكبر المنظمات الصهيونية المسيحية (١٤)

الامر الذي يعبر عن رؤية مجتمعية تضامنيه مع اسرائيل، ذات جذور تاريخية ودينية داخل المجتمع الامريكي، وهو ما يفسر لنا جزء من تلك العلاقة  المتشابكة.

ثانيا: اليهود داخل الولايات المتحدة وتأثير المنظمات الصهيونية

يشكل يهود الولايات المتحدة الامريكية التجمع الاكبر على مستوى يهود العالم، حيث تشير المعطيات إلى وجود ما بين ٥ الى ٧ ملايين أمريكي من أصول يهودية، هذا الفارق في المعطى نتيجة الاختلاف في تعريف من هو اليهودي، سواء اكان هذا التعريف حسب المعتقد الديني، الذى يعتبر اليهودي من ولد لام يهودية أو حسب التعريف الثقافي والذي قد لا يتوافق مع التعريف الديني (15)

وبالرغم من قلة هذا العدد نسبياً، الا ان  قوة اليهود في الولايات المتحدة تفوق حجمهم الديموغرافي، نظراً لاندماجهم في الحياة السياسية وشغلهم مناصب عليا داخل الدولة، فضلاً عن قدراتهم التنظيمية ونفوذهم المتغلغل في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة للقوة المتمثلة في رأس المال اليهودي، عزز ذلك  دور اللوبيات الصهيونية، ومن  أبرزها منظمة إيباك، التي تقوم بدور بارز في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب الامريكية، فعلي سبيل المثال بلغت حجم التبرعات للحزب الديمقراطي 50% من جملة التبرعات للحزب عام 2016، كما استُغلت معاداة السامية  كرافعة ثقافية مهمة لتلك المنظمة، منحتها منصة إعلامية مؤثرة (١٧)

لكن الدور الابرز التى تقوم به ابياك، دعم التبادل العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لضمان التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، والذي كان في أعلى سلم أولوياتها، وبدا ذلك التأثير واضحا منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، حتى تم تقنين هذا الاجراء عبر تشريع الكونجرس عام 2008 والذي يضمن المحافظة على التفوق النوعي العسكري لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وأن تراعي صفقات بيع الأسلحة الأمريكية لدول الشرق الأوسط هذا التفوق لصالح اسرائيل (١٨)

وقد نجحت منظمة إيباك  في إقرار قانون التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة تموز ٢٠١٤، وساهمت في تحويل مساعدات فوربة تصل قيمتها إلى  ٤٢٩ مليون دولار من أجل شراء بطاريات المنظومة الدفاعية القبة الحديدية المضادة للصواريخ، فضلاً عن تحويل ٦٠٠ مليون دولار سنة 2016 لتطوير أسلحة مضادة للصواريخ، لكن الجانب الاكثر اهمية حماية الأمن الإسرائيلي، وذلك من خلال العمل على تعزيز مكانة إسرائيل في الناتو، من “حليف غير عضو”، كما حُدد في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلى” شريكة استراتيجية مركزية” الأمر الذي تم من خلال قانون أمريكي مد إسرائيل بمساعدات أمنية طائلة، من هنا يمكن رؤية منظمة إيباك كتنظيم أخطبوطي  له دور في أهم صفقات التقارب بين الولايات المتحدة وإسرائيل أمنياً وعسكرياً، مما دعا نتنياهو إلى توجيه الشكر مباشرة إلى الجالية اليهودية الأمريكية في أثناء إعلان صفقة المساعدات الأمريكية المخصصة للفترة 2019 إلى 2028 (١٩)

لقد لعبت الكتلة اليهودية داخل الولايات المتحدة دوراً بارزاً من خلال الصوت الانتخابي وقوة رأس المال والمنظمات السياسية لتُمثل بذلك ركيزة هامة في خلق تلك التوأمة والدعم السياسي المتبادل.

رؤية امريكا لإسرائيل ومراحل تطور العلاقة بينهما

 لقد كانت الولايات المتحدة من اوائل الدول التى اعترفت بدولة اسرائيل عام ١٩٤٨، في البداية وعلى مدار عقود اتسمت العلاقة بين البلدين بالعلاقة الخاصة كما وصفها الرئيس الامريكي جون كيندي، تلتزم الولايات المتحدة بحق اسرائيل في الوجود بسلام دون ان تتمتع اسرائيل بميزات اضافية واضحة، لكن العلاقات بدأت تأخذ في الازدهار بعد حرب ١٩٦٧، وهزيمة اسرائيل لتحالف الدول العربية بمفردها وبمساعدات خارجية محدودة، بعد ان تكبدت القليل من الخسائر نسبياً، واحتلت في المقابل الكثير من الاراضي العربية، كانت الولايات المتحدة تشعر بالقلق ايذاء النفوذ السوفيتي في المنطقة، وهو ما جعل من اسرائيل تبدو حليفاً استراتيجياً جاذباً لأمريكا في ذلك الوقت، الامر الذي ساهم في تطوير العلاقة بينهما.(٢٠)

منذ ذلك التاريخ المحوري اخذت العلاقة منحى جديد وفُتحت مسارات متعددة، اعتقدت الولايات المتحدة الامريكية أن دعم إسرائيل سيصب في مصلحتها

اولا – اصبحت  الولايات المتحدة الشريك التجاري الاكبر لإسرائيل، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية بينهما ٥٠ مليار دولار سنوياً من السلع والخدمات.

ثانيا اعتُبرت اسرائيل  قوة استقرار في الشرق الاوسط، بإمكانيها ان تحمي امدادات النفط الاقليمية، فحماية اسرائيل ليست التزام اخلاقي كما يتصور البعض، لكن التزام استراتيجي كما صرح بايدن بذلك حين كان نائب للرئيس عام ٢٠١٣، ” إن وجود إسرائيل مستقلة وآمنة على حدودها ومعترف بها من قبل العالم هو من المصلحة الاستراتيجية العملية للولايات المتحدة الامريكية،  كنت أقول لو لم تكن هناك إسرائيل لكان علينا أن نخترع واحدة ” (٢١)

 وفي الآونة الأخيرة كانت إسرائيل ركيزة أساسية لهدف الولايات المتحدة المعلن والمتمثل في خلق شرق أوسط جديد مستقر وآمن ، بعد ان قررت التطلع الى اجزاء اخرى في العالم( الصين وروسيا)، كانت اتفاقيات التطبيع الاخيرة احدى تمثيلات تلك الرؤية، وجزء من هذا التصور، والذي لم يكتمل بسبب عملية طوفان الاقصى، وهو اعتبره الرئيس الامريكي جو بايدن تخريب متعمد من قبل حماس لعملية التطبيع المتوقعة بين السعودية واسرائيل، الامر الذي قلب الطاولة على الجميع واعاد خلط الاوراق من جديد، لتعيد معركة طوفان الاقصى القضية الفلسطينية الى الواجهة من جديد، بعد ان تم تجاهلها على مدار سنوات طويلة، وهو ما يفتح الباب امام تساؤلات عديدة، هل لازالت اسرائيل قوة استقرار في الشرق الاوسط، وهل يمكن لهذا الشرق ان يستقر دون النظر لقضاياه العادلة ؟

 ختاما:

 إن الأسطورة الدينية التي خلقت وهم التفرد لدى العبرانيين بأنهم أصحاب الامتياز في الوعد وبأنهم شعب الله المختار وبأن التاريخ يبدأ بهم والماضي لا يمكن إلا بالتحضير لما سيحدث لهم، والتبشير بمستقبل جاهز يبيح لهم أن يعتبروا انفسهم خاتمة للملحمة البشرية، وغاية للتاريخ ووحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قد انكسرت بعملية طوفان الاقصى، وبالرغم من أن الأسطورة الدينية كانت اقل من ان تحرك البوارج وحملات الطائرات لكنها تصبح سلاحاً قاتلا اذا ما حركته المصالح.

ان عملية طوفان الاقصى لم تكسر دعايا الاحتلال في المنطقة وحسب بل حررت النفوس المسكونة بالهزيمة وايقظت ضمائر العالم الحر، ولقد رصدت العديد من الدراسات مؤخرا تغيير كبير في وجهات النظر لدى الشباب عن القضية الفلسطينية ومن احق  بتلك الأرض، واعاد قراءة التاريخ الذي اعتمد على الأساطير وتلفيق النصوص الدينية وتشابك المصالح، ليتساءل الجميع ومع بشاعة آلة القتل تلك، كيف تم انشاء هذا الكيان ومن هم داعميه، لنقلب جميعاً في صفحات التاريخ المطوية منذ سنوات، وليثبت لنا هؤلاء الابطال في ارض الميدان انهم قادرون على صياغة التاريخ وإعادة الاعتبار لهذه  للامة.

المصدر
1- استاذ دكتور إحسان الديك، اسطورة ارض الميعاد بين الاحتلاق والتلقي، جامعة النجاح الوطنية فلسطين2- رائف زريق، اسرائيل خلفية ايدلوجية وتاريخية، (في) منير فخر الدين واخرون ( محررون)، دليل اسرائيل ٢٠٢٠، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ٢٠٢١، صفحة ٨ – ١٠3- روجيه غارودي، فلسطين ارض الرسالات السماوية، ترجمة قصي اتاسي و مشيل واكم، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر صفحة ١٣٩4- المصدر السابق صفحة ١٤١5- رضا هلال، تفكيك امريكا، طبعة خاصة تصدرها الاعلامية للنشر، صفحة ١١٨6- محمد سمك، الصهيونية المسيحية، دار النفائس، الطبعة الثانية صفحة ٣٤7- رضا هلال، تفكيك امريكا، مصدر سابق، صفحة ١١٩8- عبدالوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة العاشرة صفحة ٢٥9- عبدالوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين، مصدر سابق صفحة ٢٩10- روجيه غارودي، فلسطين ارض الرسالات السماوية، مصدر سابق صفحة ١٩١11-مصدر سابق، صفحة ٢٠٥- ٢٠٨12- مصدر سابق، ٢١٨ – ٢١٩13- مشروع بليتمور، المركز الفلسطيني للدراسات مدار 14- رضا هلال، تفكيك امريكا، مصدر سابق صفحة ١٢٠- ١٢١ 15- Silje Belghaug Knarud, Bringing God's Chosen People Home, Master's Degree Thesis in History of Religion 60 Credits, Department of Culture Studies and Oriental Languages UNIVERSITY OF OSLO, Autumn 2014, PP 21-16خالد عنبتاوي، اسرائيل ويهود الولايات المتحدة الامريكية والعالم، (في) منير فخر الدين واخرون (محررون)، دليل اسرائيل ٢٠٢٠، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ٢٠٢١، صفحة ١٥-17مصدر سابق، صفحة ٢٠- ٢١-18مصدر سابق، صفحة ٢٨-19مصدر سابق، صفحة ٣٨ 20-Nicole Narea, How the US became Israel’s closest ally, Vox, Oct 13, 2023, 5:50pm EDT
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق